ان محاولة إعادة تقييم أهمية وخطورة 'وعد بلفور' على مصير الشعب الفلسطيني والذي تبقى تداعياته وتوابعه قائمة حتى يومنا هذا، تعتبر مهمة 'تأٌريخية' اساسية تتطلب اعادة وضع عملية صياغة هذا 'الوعدٌ' في سياقه التاريخي.
فالتحليل التفصيلي لهذه الوثيقة، مثل أية وثيقة سياسية، يعكس ما كان يحدث على الساحة السياسية وموازين القوى السائدة في المرحلة التاريخية التي تمت بها صياغة الوثيقة من جهة، كما تفسر من جهة أخرى كل التطورات الاستراتيجية اللاحقة حيث توضح عادة النيات المستقبلية للجهة التي أصدرتها.
ففي عام 1917 كان يبدو ان المسرح السياسي العالمي جاهز لصياغة ُوعد بلفور، حيث كانت الحركة الصهيونية العالمية قد نظمت نفسها وعملت على انشاء وطن لليهود منذ أكثر من عشرين عاما، أي منذ المؤِتمر الصهيوني الأول الذي انعقد في بال عام 1897من جهة، بينما أصبح من جهة أخرى مصير الشرق الاوسط بين أيدي القوى الكبرى الاوروبية المنتصرة وخاصة فرنسا وبريطانيا التي تقاسمت بقايا الامبراطورية وشرعت تقسيمها في عام 1916 عبر اتفاقية سايكس- بيكو، وذلك بعد الحرب العالمية الأولى وتفكيك الامبراطورية العثمانية. وعلى هذا الأساس يمكن اعتبار عام 1917 (عندما تمت صياغة وعد بلفور) نقطة محورية في تطور تاريخ الشرق الاوسط.
وقد اشار المؤرخ دافيد فرومكين في كتابه 'سلام لإنهاء كل سلامٌ' الى أن الحقبة التاريخية التي امتدت من عام 1914 إلى عام 1922 هي الفترة التي شكلت الشرق الأوسط الحديث، كما اعتبرت المؤرخة الفرنسية المختصة بتاريخ الشرق الاوسط نادين بيكودو الفترة ما بين عام 1913 و عام 1924 كالعقد الذي 'هز' كيان الشرق الاوسط.
وحسب مراسلات الحسين- ماكماهون فقد كلفت فرنسا جورج بيكو وكلفت بريطانيا مارك سايكس لرسم الخطوط النهائية لمناطق نفوذهما في الشرق الاوسط منذ عام 1915 ثم قدمت اقتراحاتهما لوزير خارجية بريطانيا اللورد غراي ولسفير فرنسا في بريطانيا بول كامبون، ثم فيما بعد لروسيا للموافقة.
وكما هو معروف فقد حددت اتفاقية سايكس بيكو ثلاث مناطق (منطقة 'ألف' باللون الازرق وهي تابعة للنفوذ الفرنسي أي الانتداب في إطار الدولة العربية المقترحة، ومنطقة 'باء' باللون الاحمر، وهي تابعة لنفوذ بريطانيا، أما المنطقة الثالثة وهي باللون البني والتي شملت فلسطين، فقد ذكرت الاتفاقية انه 'تقرر أن تقع فلسطين تحت إدارة دولية يتم الاتفاق عليها بالتشاور بين بريطانيا وفرنسا وروسيا'، وفيما بعد مع الحلفاء الآخرين و'شريف مكةٌ'.
ويبدو واضحا ان هذه الإتفاقية شكلت بالنسبة للحركة الصهيونية فرصة ذهبية للمباشرة في محاولتها لتطبيق مشروعها بإنشاء دولة يهودية في فلسطين، مما أدى بها للإسراع بالمشاورات السياسية والتى أدت الى بلورة وعد بلفور.
وقد قام جوزيف جيفريز، وهو صحفي بريطاني، بإلقاء أضواء هامة على وثيقة وعد بلفور في تحليله الدقيق لها في عام 1939. فقد عرف وعد بلفور على انه اعلان 'قد تم وزن كل حرف فيه بدقة شديدة' رغم أنه يحتوي على سبعة وستون كلمة فقط ، فكل واحدة منها حسب تحليله قد تم دراستها قبل ادخالها في النص وقد ارسلت مسودات عديدة من النص ما بين بريطانيا و عبر المحيط الى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث شارك اكثر من اثنى عشر مستشارا في تنقيحها و يلخص وصفه للوثيقة قائلاٌ 'لا يوجد اعلان قد أخذت عملية تحضيره وقت أطول و اصداره دقة اكبر وصياغته وعي أشمل من هذا النص'. ويشير في هذا الصدد الى ما قاله ناووم سوكولوف في كتابه 'تاريخ الصهيونيةٌ' أي 'ان كل فكرة وردت في لندن قد تم تحليلها في المنظمة الصهيونية في أمريكا وكل اقتراح صدر من أمريكا حصل على اهتمام بليغ في لندنٌ' كما اعترف الحاخام وايس الذي شارك في المشاورات الخاصة بالوثيقة ان وعد بلفور 'قد تمت صناعته خلال عامينٌ' وان 'تأليفه عمل جماعي وليس فرديا'.
وبينما كانت وثيقة بلفور جاهزة في الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني) إلا انه لم يتم الاعلان عنها إلا في التاسع من نوفمبر في الصحافة، مع الاشارة على أنها ابداع بريطاني منفرد رغم انها في الحقيقة اختراع صهيوني بريطاني مشترك، (ومن الجدير بالذكر انه لم يتم الاعلان عنها في فلسطين إلا في عام 1920).
وقد اشار فرانك مانويل في كتابه حول 'حقائق العلاقات الامريكية الفلسطينيةٌ' الصادر في عام 1949 ان القاضي برانديس الصهيوني الامريكي قد لعب دورا هاما في صياغة الوثيقة، وأن بلفور بنفسه ناقش نص الاعلان مع برانديس خلال زيارته للولايات المتحدة في مايو(أيار) من عام 1917. وفي الأول من سبتمبر(أيلول) أرسل حاييم وايزمان مسودة من الوثيقة التي قد تمت الموافقة عليها من قبل بريطانيا إلى برانديس طالبا منه الحصول على موافقته عليها وعلى موافقة الرئيس ويلسون نفسه. وبما انه لم توجد أية اشارة مكتوبة بأن ويلسون قد وافق عليها، قام برانديس بإرسال برقية الى وايزمن في يوم 24 سبتمبر(ايلول) قائلا انه بناء على آراء مستشاري الرئيس ويلسون فمن المعتقد 'أن الرئيس ينظر إليها بعطف'. ولكن يبدو ان ويلسون قد وجه فيما بعد رسالة الى ألكولونيل هاوس وهو أحد مستشاريه الذي كان قد أطلعه على الوثيقة قائلاٌ 'إنني آسف أن أقول إنني لم أقل إنني قد وافقت على الصيغة المقترحة من الجانب الآخر، وسأكون شاكرا لك أن تبلغهم بذلكٌ'.
ويبدو ان مسودة شهر سبتمبر (التي أرسلها وايزمان) كانت تنص 'إنه يجب انٌ ٌيعاد تأسيس فلسطين كوطن قومي للشعب اليهودي' ولكن تم تغييرها فيما بعد الى صياغتها النهائية وهي 'إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين' ولذلك يستنتج مانويل في كتابه انه يشك ان يكون بلفور مؤلف هذا التصريح بل أنه فقط عنصر قد سهل تمريره.
وفي الثاني من نوفمبر من عام 1917، وجه اللورد جيمس أرثر بلفور وزير خارجية بريطانيا إلى اللورد روتشيلد، أحد زعماء الحركة الصهيونية في تلك الفترة، كتابًا هذا نصه:
'عزيزي اللورد روتشيلد،
يسرني جدا أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة جلالته، التصريح التالي الذي ينطوي على العطف على أماني اليهود والصهيونية، وقد عرض على الوزارة وأقرته: "إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جليا أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى. وسأكون ممتنا إذا ما أحطتم الاتحاد الصهيونى علما بهذا التصريح.'
وقد وقع بلفورعلى الوثيقة: المخلص أرثر بلفورٌ.
والجدير بالاهتمام في دراسة جيفريز هو تشريحه لكل كلمة جاءت في إعلان بلفور، فقد اشار مثلا الى أن أول أحرف لمصطلح 'وطن قومي' قد ظهرت في النص الأول الذي نشر في جريدة "التايمز" البريطانية كانت أحرف صغيرة باللغة الانجليزية، ثم استبدلت فيما بعد في نص الإعلان الرسمي بأحرف كبيرة، كما بين ان مصطلح ٌوطن قوميٌ كان جديدا بالنسبة للبريطانيين ولكنه كان قد ظهر قبل خمسة وثلاثون عاما في كتاب ليون بينسكر 'التحرر الذاتي' المنشورفي عام 1882 والذي لم يكن ينطبق على فلسطين في ذلك الحين.
وفي رأي جيفريز لم يكن واضحا بالنسبة للبريطانيين كيف سيتم تطبيق مسألة الوطن القوميٌ وإن غموض المصطلح كان مقصودا لكي يفسره كل طرف حسب ما يشاء، فبالنسبة للحركة الصهيونية كان واضحا انه يعني إقامة دولة يهودية في فلسطين.
كما يبين جيفريز ان معظم المصطلحات الاخرى مثل 'ينظر بعطف' أو 'تسهيل تحقيق هذه الغاية' كانت مصطلحات غامضة ومبهمة تخضع لتفسيرات مختلفة، ولكنه يعتبر ان الجملة الاكثر خداعا هي التي تشير إلى الفلسطينيين العرب على انهم 'الطوائف غير اليهوديةٌ' وكأنهم أقلية في الوقت الذي كان الفلسطينيون يشكلون تسعون في المائة من السكان واليهود فقط تسعة في المائة، وذلك بهدف اخفاء الحقيقة الديمغرافية منذ البداية.
أما أهم ما يلقي جيفريز عليه الضوء، قد جاء في الجملة التالية: 'على أن يفهم جليا أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بهاٌ (الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين) ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى' حيث اسقطت عمدا من الجملة كلمة الحقوق 'السياسية' للعرب الفلسطينيين واكتفت بالحقوق 'المدنية والدينية'ٌ بينما أشارت الى 'الحقوق' والوضع 'السياسيٌ' لليهود ليس فقط في الوطن القومي المستقبلي بل ايضا في البلدان الأخرى.
ان هذه النقطة الاخيرة المتعلقة بغياب الحقوق السياسية للفلسطينيين هى التي أسست نظام الفصل العنصري الذي تنتهجه حتى اليوم الدولة الصهيونية في كل الاراضي الفلسطينية (أكان ذلك خلف الخط الأخضر أو في الضفة والقطاع) والأخطر من ذلك في فلسفة هذه الوثيقة هو عدم المس "بالوضع السياسي" لليهود في البلدان الأخري التي يتواجدون فيها، مما يشرع الوجود السياسي للوبيهات صهيونية قوية عبر العالم من جهة كما يسمح للاسرائيليين بالحفاظ على جنسيات مزدوجة ومتعددة بينما يبقى الفلسطينيون وخاصة اللاجئين منهم منزوعين بشكل مزدوج من كل الحقوق السياسية، أكان في وطنهم الأصلي فلسطين أو في أماكن الشتات واللجوء التي فرضت عليهم