بالرغم من ارتباط ظاهرة الاعتقال والأسر في سجون الاحتلال الإسرائيلي لحالة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وبخاصة بعد عدوان 1976م إلا أن التعاطي معها إعلامياً ما يزال يعتريه الكثير من المثالب والوهن مع محاولة البعض التقليل من ذلك ومدافعاً عن الحالة القائمة.
إن أهمية الوقوف على طبيعة وأشكال تناول وسائل الاعلام الفلسطينية والاعلاميين الفلسطيين عموماً سواء من ناحية الاعلام التقليدي أو ما يسمى الاعلام الجديد تنطلق من كون شريحة المعتقلين تمثل الكل الفلسطيني على اعتبار أن معظم الأسر الفلسطينية اكتوت بلهيب الاعتقال مرة ومرات وهذا ما تكشف عنه المعطيات الاحصائية التي تشير إلى أن أكثر من 750 ألف نسمة حالة اعتقال سجلت منذ العام 1997م.
ونظراً لهذا الزخم الكبير من المعتقلين فإن متعلقات هذا الاعتقال من ظروف وبيئات لا تنتهي عند خانة الأرقام والاحصاءات بل تتعداها إلى الابعاد النفسية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للزج بهذا الكم الكبير من فئات المجتمع داخل الأسر وما ينتج عنه من تأثيرات جمة ورحبة.
هنا يبرز دور وسائل الاعلام الاعلاميين من أبناء الشعب الفلسطيني ومناصريه سواء ممن يعملون مع جهات محلية أو دولية في التعاطي مع هذه الظاهرة وكيفية مواكبتها الأمر الذي يطرح تساؤلات مشروعة حول ملامح هذا التعاطي مع قضايا الأسر والاعتقال وتقييم هذا الأداء ووضع ملاحظات استناداً للدور المنوط بالكتاب وصناع الآراء في المجتمعات.
لا يمكن إغفال أن هناك صفحات بيضاء سطرها الاعلاميون الفلسطينون خلال مسيرة الحركة الأسيرة الفلسطينية سواء في نشر ثقافة الاعتقال وإبراز تضحيات الأسرى وعوائلهم والمعاناة المتجددة مع الاقرار بأن قسماً من هذا العطاء يعود لمبادرات فردية أو اهتمام حزبي لوسيلة إعلامية مما ضمن مهمات فئوية أو لفرض الحالة نفسها على وسائل الإعلام مع قضية الأسرى يلاحظ أنها تتسم بالسطحية والروتين ورفع العتب وأحياناً تبدو غير منظمة وممنهجة لتسجيل تلك المعاناة بكل عنفوانها.
إن أهم مثالب التفاعل الاعلامي لحالة الأسرى الفردية والجماعية هو اقتصارها على الجانب الانساني لتسجيل موقف هنا وهناك مما يجعلها باباً للتنافس السياسي المقيت مما يساهم بردود سلبية لإبرازها الخصومة الفردية وأحياناً الخلافية وغيرها.
فهناك غياب واضح للمتابعة الحثيثة للاعلاميين بدءاً من لحظة الاعتقال وقضاياها وحتى الإفراج وما يتخلله من فصول التحقيق والتوقيف والمحاكمة وظروف الاعتقال والمعاملة ولقاء الأهالي والمرض داخل الأسر وظروف عوائل الأسر والاضرابات مما يجعل الأسير رقم يتم تناوله بشكل مجرد أوغير عابر لا يحتل ترتيبع مركزاً متقدماً.
فكيف لمادة إعلامية متواضعة أن تجسد حكاية أسير أمضى 34 عاماً بالأسر دون أن تسبر غور انسانيته التي عايش فيها كل لحظة خلف القضبان وتبرير ذلك أن هذه هي المساحة المتاحة لوسيلته الاعلامية.
محطة أخرى ينزلق إليها الاعلامي وهي طغيان الموسمية في تناول قصص الأسرى ومعاناتهم وذلك في يوم الأسير الفلسطيني أو خلال إضرابات الأسرى عن الطعام بالرغم من أن الأسير يعيش كل لحظاته بألم وشوق ليوم الحرية لتكون أيامه كلها يوماً للأسر والاعتقال.
جانب آخر لا يقل سلباً من القضايا السابقة وهو اقتصار تسليط الاعلاميين على رموز وقيادات بعينها مما ينعكس سلباً على مشاعر بقية الأسرى وذويهم الذين يعيشون معاً وبنفس الظروف.
أما الجانب الأكثر إيلاماً والذي يمارسه الاعلام الحزبي وهو تسليط الأضواء على الأسرى المحسوبين على فئة أو تيار سياسي بعينه مما يعد طعنة في ظهر الجسم الاعتقالي الذي يعيش في معظم أحواله ظروف وحدوية مما يعد مساهمة سلبية ترتقي إلى مستوى الخطيئة.
إن مجتمع الأسرى وذويهم مليئ بالحكايات والبطولات والمواقف لا تقف عند حد خبر هنا أو هناك بل تتعدى إلى كشف خلجات النفس والأحاسيس التي تعجز الكلمات عن التعبير عنها وتتطلب روحاً من الاعلامي تتعالى إلى مستوى الحدث والحكاية لتروى بالدمع.