التصعيد الإسرائيلي في غزة، هو جزء من سياسة العربدة المعتمدة، على كل أصعدة الحياة، في كيان غاصب، بات يجاهر بعنصريته ويعُدها مصدر سعادته وأمنه، ويَعِدُ في كل يوم، بخطوات مجنونة، من شأنها إحكام الإغلاق في وجه عملية التسوية..!
فصائل المقاومة الفلسطينية، غير المعنية بالحكم في غزة؛ باتت مضطرة للعمل وفق منطق طبيعي يقول، إن القطاع ليس مهجع نوم لليائسين، الذين يتعين عليهم أن يتلقوا القصف تلو القصف، والاغتيال تلو الاغتيال، دون أن يسجلوا ردود أفعال، ودون أن يتأهبوا للأصعب، حتى وإن اضطر الأمر الى الالتحام والقتال مع القوة الباغية، في حال تصاعدت الأمور ووصلت الى العدوان البري الشامل. ووفق هذا المنظور، لم يكن جائزاً ولا متاحاً لأية قوة فصائلية، أن تتلكأ أو أن تخالف أو تكبح جماح المقاومين اضطراراً. ولن يفيد المعتدين، التهديد باغتيالات تطال قيادات من "حماس" لأن هذه الأخيرة، لن تستطيع التجديف ضد تيار يقاوم الاعتداءات اليومية، وفق المنطق الطبيعي الذي يؤكد على أن الفلسطينيين، عندما يواجهون الموت بنيران عدو يعربد؛ لن يقفوا مكتوفي الأيدي في انتظار سفك دمهم في أية لحظة، حتى وإن كانت المواجهة غير متكافئة..!
المحتلون الغاشمون، هم المسؤولون عن التصعيد حتى وإن أطلق المقاومون ألف صاروخ في كل يوم. وكثيرون سوى المحتلين، مسؤولون أيضاً. من بين هؤلاء الكثيرين، أولئك الذين يقتلون بالجملة في سوريا، ويجعلون القتل بأعداد قليلة، في فلسطين، أمراً هامشياً بالقياس الى مشاهد جرائمهم المروّعة. كما من بين الكثيرين المسؤولين عن عربدة الاحتلال؛ أولئك العرب المنكسرين السادرين في نومهم والممتثلين لهوان أمرهم، والذين بات منهم ـ للأسف الشديد ـ كل الذين فازوا بالحكم، في بلدان الثورات قديمها وجديدها. ومع الاعتزاز بشعب فلسطين الذي يرفض بعناد، جعل أراضيه مرتعاً لأعدائه الذين ما زالوا ينكرون حقوقه؛ ننوّه الى أن البلدان العربية، ما زالت تراوح مكانها، حيث الوطن العربي الشاسع، ظل مرتعاً للنفوذ الأمريكي، الذي يفرض على النخب الحاكمة، الأخذ بحسابات ومحاذير، تحول دون صياغة موقف استراتيجي جماعي واحد، يغطي أو يحمي الأمة من أية عربدة واستباحة..!
وليس أدل على هوان العرب، من استجابتهم الصاغرة، لرغبات الأمريكيين والإسرائيليين بخصوص علاقاتهم الإقليمية. وما العناد الإيراني في موضوع الثورة السورية ضد الاستبداد، إلا ـ من بين أسبابه الكثيرة ـ نتاجاً لجفاءات عربية حيال إيران، انتفت بجريرتها المصالح المشتركة، ما جعل الإيرانيين يتمسكون بالمستبد السوري الراضخ لهم، ولا يعتمدون العقلانية في موقفهم ولا يتذكرون تقوى الله. والإيرانيون بموقفهم، وعلى الرغم من حصار الغرب لهم، ما زالوا أقوياء، لأن لديهم استراتيجية، بينما العرب لم يؤسسوا موقفاً ولا استراتيجية تؤهلهم لعلاقات نديّة مع الغرب ومع إيران. ونقول إن الإيرانيين ما زالوا أقوياء، لأن الأمريكيين الذين يعلكون الكلام العدائي ضدهم، ما زالوا يتوسلون التفاوض المباشر مع أحمدي نجاد. وهذا أمر تدل عليه مؤشرات في أجناب النشاط السياسي والديبلوماسي الأمريكي وخلفياته. ففي الهند مثلاً، حلّ قبل أيام نائب وزيرة الخارجية الأمريكية ويليام بيرنز،، ضيفاً بائساً يلتمس من الهنود التدخل لإقناع الرئيس أحمدي نجاد بالتفاوض المباشر مع الإدارة الأمريكية حول الملف النووي. وقال الرجل للإعلام الهندي، كلاماً لو سمعه الساسة العرب لن يصدقوا، لأنه كلام الطير الجريح المستغيث. والهنود، بدورهم، لأنهم لم "يعوموا" مع الغرب عندما دعاهم الى مقاطعة إيران والمشاركة في حصارها؛ لقنوا ضيفهم الأمريكي والإيرانيين معاً، الدرس الواجب. قالوا للأول، إن معاهدة منع الانتشار النووي، غير عادلة وتعكس استكباراً لا نقبله، وقالوا للإيرانيين، إنكم أخطأتم بالتوقيع أصلاً على هكذا معاهدة، حتى وإن كان توقيعكم يستند الى فتوى خمينية تحرّم النووي. فالتوقيع يوجب على من وقّع، أن يفتح منشآته للتفتيش الدولي عند الاقتضاء، وهذا ما اضطررتم للمراوغة فيه فنشأت المشكلة. أفصحت الهند عن ذلك كله باقتدار، لأن لديها استراتيجية لخدمة أمتها وللسهر على أمنها القومي، وطرحت البديل مستمداً من حيثيات الإرث السياسي، للقيادة الوطنية الهندية، بل استعادت نداء الراحل راجيف غاندي، في الأمم المتحدة، عندما دعا الى نزع السلاح النووي في كل مكان، دون استثناء إسرائيل أو غيرها..!
قصف غزة، يجري على مشهدٍ ومسمعٍ من العالم العربي وبلدان المعمورة. إنه العالم العربي نفسه، والمعمورة نفسها، اللذين يتفرجان على ذبح السوريين بالجملة، ويتهللان فرحاً في هذه اللحظة، بسبب وعود غير ذات صدقية، لإحلال الخروف محل الإنسان، في عطلة العيد، بحيث تُحز رقبة الأول ويُحقن دم الثاني وتسلم رأسه، خلال عطلة العيد الوجيزة..!