إنتظرنا بفارغ الصبر لنرى نتائج الإنتخابات المحلية، هذا العرس الديمقراطي الذي تاق له شعبنا، ويعتبره الطريق المُثلى ليعبر بها عن إرادته، صحيح أن العملية منقوصة، بسبب المقاطعة أو التحريم، لكن نأمل أخذ العبر، فما حُرم في الماضي، الإنتخابات التشريعية الأولى، بات ولو بعد حين من أصول الشرع وحُرم التخلف عن المشاركة به، حتى أنه أُعتبر الطريق الأقرب لنيل مرضاة الله سبحانه، خاصة لمن يختار وينتخب من نَصَّبوا أنفسهم خلفاء لجل علاه في الأرض، حتى أنه أُبيح للنساء بمخالفة الأزواج وطاعة أُولي الأمر، وحتماً سيأتي اليوم الذي سيغيب به التشكيك الحالي، في نزاهة الإنتخابات المحلية، كما غاب ذاته في ما قبل إعلان النتائج التشريعية عام 2006، وسيعود المقاطعون وأصحاب التحريم لرشدهم، لأن خيار الخطف بقوة السلاح والأمارات المفروضة على الناس عنوة، لن تبقى من شواهد حال شعب دفع الغالي والنفيس من أجل حريته وتحقيق إرادته.
ممارسة الحقوق الأساسية، ومنها حق الإختيار والتعبير عن الرأي، يجب أن تبقى شواهد مضيئة في ممارستنا لحقنا الديمقراطي في إختيار ممثلينا، وما أُنجز على جزء من الوطن يجب أن يُستكمل، وفق نفس الأصول، لكن بعمق أكبر وشمولية أعم، فلا يجوز أن يبقى التمترس في المواقع، سواء لمن لم يشارك أو لمن شارك، حيث أن القاطرة تسير، وعلى الجميع اللحاق بالمركب وقبل فوات الأوان، حتى لا يبقوا وحيدين على قارعة الطريق وهوامش الفعل، فمن تحصن بالممانعة والمقاطعة عليه أن يثق ويقبل بالحسم الديمقراطي، ومن شارك عليه أن يطور من نهجه وممارسته الديمقراطية، وثبت تاريخياً أن البقاء للأجدر والأقرب للجماهير، و"فتح" أثبتت قدرتها السياسية والتنظيمية في تحملها للمسؤولية الوطنية، والإنتخابات المحلية هي جزء يسير من هذه المسؤوليات الجسام، لكنها الأحوج الآن للمبادرة الحقيقية في تطوير نهجها الديمقراطي الداخلي، حتى لا تبقى ترواح مكانها في مواجهة حال الترهل وعدم الإنضباط التنظيمي.
العملية الديمقراطة الفلسطينية بحاجة ماسة لمزيد من الدراسة والتحليل، لسبر غورها ولتطوير أدائها، لخدمة أهدافها الأساس، فالمقاطعة ليست هي الحل، والمشاركة لوحدها لا تحقق الهدف، والعبرة في حال الإنتخابات المحلية الحالية ونتائجها، فلا مقاطعة "حماس" حققت الهدف، ولا مشاركة "فتح" أعطت النموذج الأصح، المقاطعون مجبرون في مواقعهم على التعاطي مع النتائج التي لم يشاركوا بها، ولن يستطيعوا مواجهة مؤيديهم الذين إلتزموا بقرارهم، حين يسألونهم عن خدمات مطلوبة لم تتحقق أو تحققت بشكل كانوا يفضلون غيره، وأما المشاركون، فأمامهم معضلة قاسية.. الشرعي والمفصول، أيهم سيكون أبو الولد؟! وكيف ستصاغ الأمور الآن؟! هل ستُحسب النتائج من قبل المسؤولين عن الإنتخابات في "فتح" بقوائمها الرسمية فقط؟ أم كما نتابع في كل وسائل الإعلام بالجملة؟ خصوصاً وأن الجميع أهدى فوزه لسيادة الرئيس، الأصل أن يتحمل كل مسؤول نتائج فعله أمام هيئاته ومؤسساته القيادية، والثواب والعقاب، من أهم أُسس العمل التنظيمي والحزبي، لكن الأجدر المبادرة الفردية للمسؤولين الفتحاويين الذين أصروا على مواقفهم، وقادوا السفينة بهذا الإتجاه، أن يقفوا أمام سيادة الرئيس وكل هيئاتهم القيادية، ويعلنوا تحملهم المسؤولية ويتنحوا جانباً، ليفسحوا المجال أمام من كانوا الأقرب لنبض الشارع، والأكثر جدارة أن يقروا بأن شعبنا وقواعدنا التنظيمية والحزبية قد نضجت وباتت قادرة على إختيار من يمثلها، وليبحثوا عن الطريقة المثلى لتحقيق هذا الهدف، ولتشكل "فتح" بذلك النموذج الذي يُحتذى به.
الأهم من ذلك كله، تطوير العملية الديمقراطية نفسها، وإعطاء نماذج عمل أكثر ديمقراطية وأصوب نتائج، سواء من خلال مبادرات حزبية أو فصائلية نفتقر لها حتى الآن، أو من خلال سن قوانين تخص تنظيم العمل الحزبي بما يتلائم وما يحدث في البلدان الديمقراطية الأُخرى الأكثر تجربة ونجاح، للأسف مبررات عدم الإقدام التنظيمي الفصائلي والحزبي على الساحة الفلسطينية، بالتحديد في مجال التطوير الديمقراطي، لا تعدو عن كونها وهمٌ يخدم المتنفذين بها، الذين يحرصون على المحافظة على مواقعهم وبأي ثمن، فهم لا يرغبون بالإحتكام لقواعدهم التنظيمية والحزبية الحقيقية، ويفضلون كرسي ملوكي ثابت حتى الممات.
الإنتخابات التمهيدية التنظيمية والحزبية ومأسستها هي الحل الوحيد، لمحاربة نتائج قاصرة لعملية ديمقراطية فتية، ما زالت تحتاج الكثير حتى تصل مرحلة النضوج، والإنتخابات المحلية الحالية توحي، بما لا يدع مجلاً للشك، لمؤشرات الإصلاح المطلوبة، فلا يجوز أن نؤمن بوصلات ديمقراطية ولا نأخذها بشموليتها، فالأصل أن تتحمل قواعد الأحزاب والتنظيمات مسؤولية من ستعرض للشعب كمرآه وواجهة لها، والشعب يتحمل مسؤولية إختيار من سيمثله ويوكله بصلاحياته، لا أن تبقى هناك وصايات أبوية تحدد للناس خياراتها وصالحها..!!