تثير التصريحات المتعددة التي تخرج من إيران على لسان قادتها السياسيين والعسكريين حول اللجوء للقوة لكل من يقترب من حدودها تساؤلات وشكوكا ومخاوف كثيرة حول النوايا والدوافع السياسية التي تسعى إيران إلى تحقيقها، وهل إيران جادة فيما تعلن وتصرح؟
الإجابة على السؤال تستوجب محاولة الإقتراب لتحليل وفهم السلوك الإيراني للوقوف على مصداقية وجدية هذه التصريحات؟ وما هي العوامل والمحددات التي تقف وراء هذا السلوك؟ وبسؤال محدد ماذا تريد إيرن؟ وكيف ترى دورها ومكانتها الإقليمية والدولية؟ وماذا تريد من الآخرين وخصوصا الدول العربية المجاورة والتي تربطها معها خليج مشترك، ومصالح حيوية، ومشاكل حدودية وفي الجزر التابعة لدولة الإمارات؟
في قراءة للسلوك السياسي الإيراني نجد أنه لم يطرأ تغيرا علي جوهر أو مضمون هذا السلوك منذ زمن الشاه، وإن بدا هذا السلوك أكثر حدة وشدة ووضوحا في التعبير عن رغبة إيران وتأكيدها على دورها الإقليمي دونما إعتبار لأي مصالح مشتركة أو خليج مشترك، ففي عهد الشاه كان دور شرطي الخليج واضحا ، أما الأن فالسلوك الإيراني يتجاوز حدود دور الشرطي إلى دور المسيطر والمهيمن الأحادي دون منازع. فدور الشرطي كان يعني انها كانت تقوم بهذا الدور لحساب قوى أخرى مع الإعتراف بمصالحها وطموحاتها السياسية، اما اليوم فهي تقوم بهذا الدور لها، وتريد من الآخرين الإعتراف بهذا الدور الكلي لحساب المصلحة الإيرانية فقط.. التغير في والأسلوب والآليات ولكن الجوهر واحد. فالثابت في السياسة الإيرانية هو إيجاد حل لمعضلة إيران الإقليمية، أي تثبيت مكانتها كقوة إقليمية كبرى بين القوى الكبرى على مستوى الإقليم، بل الإعتراف انها القوة الأولى، والحصول على إعتراف دولي بهذا الدور وخصوصا من القوة الأولى في العالم، الولايات المتحدة، التي لها وجود ومصالح مباشرة في المنطقة، وهو ما يعني ليس فقط الإعتراف، بل التسليم بتقاسم السلطة ومناطق النفوذ في المنطقة. والحصول أيضا على اعتراف بهذا الدور من قبل دول الخليج العربي، وهو ما يعني أيضا التسليم وعدم المطالبة بأي حقوق لهم في المنطقة كالتسليم مثلا من قبل دولة الإمارات بجزرها وعدم المطالبة بإسترجاعها. وهوما يعني أيضا إنتزاع هذا الدور بالقوة العسكرية، وبمحاولة إيران إمتلاك القدرات النووية التي تضع حدا لأي تنازع على دور إيران كقوة إقليمية كبرى. والإقرار بهذا الدور حتى على المستوى الإقليمي العربي والمجاور، أي الإعتراف من قبل دول كمصر وتركيا بالدور الإيراني، أي التسليم ان منطقة الخليج العربي تحديدا تشكل منطقة مجال حيوي لإيران فقط. وحتى التسليم من قبل إسرائيل العدو المقابل لإيران بحدود المجال الحيوي الإيراني، وهو ما يعني أيضا تراجع المجال الحيوي لإسرائيل، ومن ثم إقتراب مناطق التصادم والتنازع معها، وليس مهما من قبل السلوك الإيراني أن يكون ذلك على حساب المجالات الحيوية للدول العربية. ويتجاوز حدود الدور بالمعنى السياسي، بل يشتمل على الدور الإقتصادي والعسكري والأمني، فإيرن لم تعد شرطي الخليج بل هي الحارس الوحيد له، هذا الدور يحمل دلالات سياسية وإقتصادية، ومناطق نفوذ، وكل هذا يأتي على حساب مناطق المصالح والنفوذ للدول الأخرى: دول المنطقة ذاتها، والدول الكبرى دوليا، والدول الإقليمية. وهذا يستلزم مراجعة وتغيير كل المبادئ والقواعد التي يقوم عليها ميزان القوى الإقليمي والدولي. والسؤال هنا ما هي العوامل التي تفسر الموقف الإيراني ونجاحه إلى حد كبير؟ لقد ساعدت إيران عوامل كثيرة في تثبيت دورها الإقليمي، القوة البشرية الكبيرة مقارنة بدول المنطقة وبعدد سكان يزيد على الستين مليونا، وبقدرات إقتصادية كبيرة وخاصة القدرات النفطية والإستفادة من إرتفاع أسعار النفط في تغطية تكاليف وتطوير قدراتها النووية، وتتوفر لديها مساحة جغرافية واسعة بحدود برية ممتدة، بحدود مشتركة مع دول إسلامية مجاورة، وتمتلك شبكة واسعة من العلاقات الدبلوماسية، ونجحت في إحتضان الفواعل الجدد في المنطقة مثل حزب الله، وحركة "حماس" والجهاد وغيرها، ولديها نفوذ ممتد مع الجاليات الإسلامية في الخارج، وكذا نجحت في مد النفوذ الشيعي حيث يوجد وخصوصا في عدد من الدول العربية.
هذه العوامل ساهمت بشكل واضح في زيادة قدرة إيران على مواجهة التحديات والضغوطات والعقوبات التي تمارس عليها من قبل الولايات المتحدة والغرب، وذلك في المضي قدما في تطوير قدراتها النووية والعسكرية، وفي إفشال أي محاولات خارجية لإسقاط نظامها الداخلي، والتردد في إستخدام الخيارات العسكرية ضد إيران، ونجاح دبلوماسيتها في الإستفادة من التنافس بين القوى الدولية الكبرى التي تزاحم الولايات المتحدة على عدم إحتكار القرار الدولي في يد دولة واحدة، ويظهر ذلك في علاقاتها بالصين وروسيا اللتان تقفان بالفيتو ضد أي عمل عسكري ضد إيران كما حدث في العراق. ونجحت ايضا في التوازن والتوافق بين الأبعاد ألأيدولوجية المتشددة التي يتسم بها سلوكها السياسي وبين التحالفات السياسية التي تقوم على عامل المصلحة، وليس البعد العقيدي، مثل علاقاتها بروسيا والصين، وعلاقاتها بـ"حماس" وسوريا العلمانية، وإحتفاظها بعلاقاتها الدبلوماسية مع دول الخليج علي الرغم من التناقضات في سياسة كل منهما وتعارضها في كثير من القضايا. ولقد إستفادت الدبلوماسية الإيرانية ودون أن تدفع ثمنا لذلك من الأخطاء التي قد أرتكبتها السياسة الأمريكية في العراق وفي أفغانستان، وفي تحيزها المطلق لإسرائيل، وفشلها في تحقيق أي تسوية سياسية للصراع العربي الإسرائيلي.. وقد تكون إيران الدولة الوحيدة التي إستفادت من إنسحاب القوات الأمريكية من العراق لتصبح حدودها مع العراق أكثر أمنا، وتستفيد من الفراغ السياسي والأمني في العراق بمحاولة ملئه والتحكم فيه، وبتقوية أذرعها الشيعية في العراق، ومن ثم نجاحها في التغلغل في القلب العراقي بعد أن كانت العراق خصما منافسا قويا لها. واللافت في قراءة السلوك السياسي الإيراني الدفع بالأحداث نحو مزيد من التصادم، والدفع بها نحو سياسة حافة الهاوية التي قد لا تجيدها إيران، ومن ثم تنزلق نحو الخيارات العسكرية.
وما يلفت الإنتباه في قراءة هذا السلوك التعويل على إبراز القوة، والإستهانة بالآخرين، واللجؤ للغة التهديد، وتصوير الأمر وكأن بقائهم في يدها، وفيما قد تتخذه من قرارات، هذا الموقف واضح في علاقاتها بالإمارات والموقف من الجزر، وفي تهديداتها لإسرائيل التي تصل إلى حد إستباق الأمور والتهيد بشن حرب إستباقية على إسرائيل، على الرغم من معرفتها وإدراكها أن إسرائيل تملك من القوة ما يكفي لمحو إيران، وأن إسرائيل لا تحارب لوحدها. سلوك يستم بقدر كبير من الغطرسة والتفوق والسمو، وقد يعزى ذلك إلى البعد القومي الفارسي، والبعد الديني الشيعي. والى الرغبة في إستعادة الدور الإمبراطوري لإيران. لكن تبقى المعضلة في قراءة وفهم هذه السلوك ليس في فهمه وتحليله ولكن بالقدرة على التنبؤ في مصداقية وجدية ما تقوله إيران، وما تعلنه من تصريحات.. ويبدو لي أن هناك فجوة بين المظهر الخارجى لهذا السلوك، وبين القدرة على الفعل والواقع الذي تعيش فيه إيران، وهنا تكمن معضلة السلوك أنه يأتي في ظل تحولات إقليمية ودولية، وتحولات في موازين القوى قد تشكل قيدا على هذا السلوك، وفي النهاية يبقى السلوك الإيراني سلوك دولة قوة تؤمن بما لديها من قوة، ولا تؤمن بما لدى الآخرين من قوة أو حق، وهي في هذا السلوك لا تختلف عن دول القوة التي تؤمن أن القوة حق.