حينما قررت الإنضمام للسلك الأكاديمي والعمل في إحدى الجامعات الفلسطينية في قطاع غزة، كان ذلك نابعاً من قناعةٍ راسخةٍ بأن لي دورأً يجب أن أقوم به إنطلاقاً من أيماني بواجبي نحو (أهلي وناسي)، وإيمانأ مني بأن التعليم هو السلاح الأخير الذي تبقّى لنا في معركتنا من أجل العدالة والحرية والمساواة، وهي الأهداف التي ميزت كل حركات الشعوب التي تناضل ضد الإستعمار، الإستيطاني منه بالذات.
لم يكن يخطر ببالي أن جامعاتنا قد وصلت مرحلة من الأدلجة الفصائلية لدرجة عالية تحجب الرؤية الموضوعية للأمور التي هي أساس العمل الأكاديمي برمته. إن ازدياد عدد مؤسسات التعليم العالي كان يحب أن يعني بالضرورة توفر الفرص لشريحة أكبر من الطلاب بغض النظر عن الطبقة التي ينتمون إليها. كما أن الأبجديات المهنية للعمل الأكاديمي تعني التوظيف على أسس مهنية بحتة تأخذ عدة عوامل بعين الإعتبار أولها حق المنافسة بين المتقدمين للوظائف الأكاديمية بغض النظر عن توجههم الفصائلي، السياسي، الأيديولوجي، والجندري. كما أن التسلسل الوظائفي في أي مؤسسة أكاديمية يجب أن لا يؤدي إالى مظاهر (طبقية) تعكس المناصب الإدارية التي بدورها تعكس مدى العلاقة مع الفصيل المهيمن على الجامعة و توجهه الأيديولوجي..!
الكل يعلم ان الجامعة الفلانية، بالذات في قطاع غزة، تابعة للفصيل الفلاني، والأخرى تابعة لفصيل منافس. ومن الطبيعي أن ينعكس ذلك في سلوكيات الطلاب وحتى الأكاديميين والإداريين. وبما أن الخلفية التاريخية لتطور مؤسساتنا الأكاديمية لا يمكن فصلها عن الواقع الذي تعيشه هذه المؤسسات، فإن مرحلة ما بعد أوسلو تشكل نقلة هائلة في فهمنا للتعليم العالي ودوره، وعلاقة الأكاديميين بالمؤسسة التي يعملون فيها، وببعضهم البعض. ويبرز في هذا السياق بالذات العلاقة بين الإداري والأكاديمي.
ومن المحزن أنه في كثير من الحالات، أن الأخيرة، وبسبب الجو الأوسلوي والفصائلي السائد، بدأت تأخذ طابعا (طبقياُ) يرى أن الأكاديمي الإداري يجب أن يتميز بمزايا لا تتوفر للأكاديمي الباحث..! مع العلم أن الأول في كثير من الحالات تتم ترقيته إداريا بسبب قربه من فصيل، أو توجه سياسي\أيديولوجي سائد. ومن الطبيعي أنه مع توفر مزايا (طبقية) محددة لفئة أكاديمية على حساب أخرى، أن تتم محاولة السيطرة على النشاط النقابي والحد من قدرات النقابات وأحياناً السيطرة عليها من قبل الفصيل المهيمن على الإدارة. وفي بعض الحالات التي لا يستطيع فصيل حسم (المعركة..!) يتم اللجوء للمحاصصة في التوزيع\الترقيات الإداري\ة..!
إن النظرة ذات البعد (الطبقي) الإستعلائي من قبل بعض إدارات الجامعات لمطالب أكاديمييها قد أخذت في بعض الأحيان أشكالاً كافكوية، فيصبح على صعيد المثال المطالبة بكرسي للجلوس في محاضرتك أمراً يتطلب تشكيل لجنة تحقيق..! أن تطلب توفير غرفة مرحاض نظيفة، تتشارك فيها مجموعة من الأقسام الأكاديمية، شيئاً لا يتم النظر إليه على الإطلاق..! أن تطالب بأن لا تتدخل الجامعة في أدق تفاصيل الملبس الذي ترديه الطالبات، أن تعمل على تدريس مواد تساهم في دعم التفكير النقدي عند الطلاب، أن تطلب مكاناً لإيقاف سيارتك، أن يكون في قسمك سكرتير\ة، حتى لا تتحول أنت الى موظف استقبال، أن تطالب بغرفة إضافية لقسم به أكثر من 20 محاضراُ، أن تطالب بالعمل على خفض الضجيج الصادر عن خبط وطرق عمال بناء، الحفاظ على الحد الأدنى من النظافة في الغرفة الوحيدة التي تشاركها مع زملائك في القسم، مسح الكتابات القذرة التي تخدش الحياء، أن يتم الرد عليك عندما تخاطب الإدارة بخصوص بعض هذه القضايا، أن تطالب باحترام مواعيد المحاضرات، أن يتم اتخاذ قرارات القسم والكلية بطريقة ديمقراطية، ألا يتم الخلط بين الأكاديميا والبزنس، أن يتم دفع الراتب في موعده، أن يتم التوظيف حسب الكفاءة والخبرة، أن لا يتم الخلط بين العلاقات الإجتماعية والمهنية، أن لا يتم تدخل الأجهزة الأمنية فيما يحصل داخل الحرم الجامعي والتوظيف الأكاديمي والإداري، أن تتم متابعة التطور المهني والأكاديمي للعاملين، وأن يتم، قبل كل شيء، توفير الحد الأدنى من الإحترام للأكاديمي الحق، أن، وهنا مربط الفرس، يتم تطبيق مبدأ المحاسبة..!
فهل سيتم قبول هذه التساؤلات بروح ديمقراطية ويتم العمل على التعامل معها من منطلق المصلحة العامة؟ أم يجب أن تأتي من وزيري التعليم العالي، أو رئيسي الوزراء، أو قيادات الفصائل المهيمنة، حتى نعيد للتعليم العالي مبدأ التمرد الفكري والروح النقدية التي تربت عليها الأجيال السابقة؟!
هل نحافظ على الحصن الأخير، أملنا في تحقيق أهدافنا من خلال تحرير العقل الفلسطيني.