معروف في الصراع السياسي أن كل جانب يحاول أن يخرج منتصرا. ولتحقيق هذا الهدف يحاول كل طرف استغلال نقاط الضعف المتواجدة لدى الجانب الآخر. ولكن التمادى في ذلك يدفع ألبعض في كثير من الأحيان، إلى إفلاس فكري، وإلى ثقة كبيرة سلبية في النفس، تؤدي أحيانا إلى القضاء على صاحبها سياسيا وأحيانا اجتماعيا.
والأمثلة على ذلك كثيرة خصوصا في هذه المرحلة من تاريخ منطقة الشرق الأوسط. فقد اعتقد بنيامين نتنياهو انه في الخطاب الذي ألقاه أمام الجمعية للأمم المتحدة في دورتها العادية، قبل عدة أسابيع، ونشر رسمه مجسمه لمراحل السلاح النووي الإيراني، محددا خطوطا حمراء للعالم، اعتقد أن العالم قد اقتنع بوجهة نظره. ولكن هذا لم يحدث، ولم تسارع أية دولة بتبني موقفه، ولم تقم وسائل الإعلام العالمية، وكذلك وسائل الإعلام الإسرائيلية، بتبني أفكار نتنياهو، بل إن وسائل الإعلام الإسرائيلية انتقد خطابه واعتبرت أنه ألحق الضرر بإسرائيل عالميا أكثر من مساعدتها في مواقفها بشأن النووي الإيراني، مشيرة إلى أن لهجة الحرب التي استعملها في خطابه أدت إلى نفور أكثر منه إلى تضامن.
ولكن الغرور مرض مزمن. فعلى أثر إعلان إيران بأن مخططها في تطوير مفاعلها النووي قد يتأخر لمدة ثمانية أشهر سرب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي خبرا يقول أن الموقف الإيراني هذا، جاء نتيجة للخطاب الذي ألقاه نتنياهو امام الجمعية العام للأمم المتحدة.
وتقول صحيفة "هآرتس" (9/10/2012) في خبرها الرئيسي أن الموقف الإيراني جاء بعد أن كشف نتنياهو في خطابه أمام الجمعية العامة بعض المعلومات عن المنشآت النووية الإيرانية مستقاة من آخر التقارير التي صدرت عن "الوكالة الدولية للطاقة النووية". وقال أن إسرائيل ستمدد الفترة الزمنية التي حددتها لنفسها للقيام بعمليات عسكرية ضدّ هذه المنشآت. ويفهم من المقال أن الخطوة الإيرانية جاءت نتيجة للموقف الإسرائيلي. بمعنى أن نتنياهو كان ينتظر أية خطوة يستطيع أن يستغلها للتراجع، ولو مؤقتا، عن غطرسة الهجوم على إيران.
لماذا يعتبر مثل هذا الموقف إفلاسا لحكومة نتنياهو؟ يبدو أن نتنياهو، وبعد أن زار نيويورك واجتمع مع العديد من القادة اليهود الأمريكيين وبعض كبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية، وبعض الشخصيات العالمية التي أجرت تداولا بمواضيع مختلفة على هامش اجتماعات الجمعية العامة، يبدو أنه وصل إلى قناعة بينه وبين نفسه أن العالم غير مقتنع بوجهة نظره وغير معني بنشوب حرب جديدة في منطقة الشرق الأوسط.
ولكن الغرور والغطرسة الإسرائيلية منعته من الإعلان عن التراجع في موقفه. وما أن أعلنت إيران عن تأجيل التقدم في مخططاتها النووية، حتى سارعت إسرائيل بالإشارة إلى أن السبب يعود إلى "صلابة الموقف الإسرائيلي" وبالتالي قررت إسرائيل تأجيل حملتها العسكرية ضدّ إيران. ولكن هذا الموقف يعبر عن فشل إستراتيجي وسياسي، فخطاب نتنياهو في الأمم المتحدة، كما أسلفنا، لم يؤدِ إلى تغيير مواقف الدول المعارضة لحرب جديدة، وإسرائيل تعرف كل المعرفة أنها لا تستطيع تحمل مسؤولية حرب جديدة تخوضها لوحدها.
وتحاول تركيا أن تجد هي أيضا مخرجا من الأزمة السورية التي زجت نفسها بها، خصوصا بعد أن رفض "حلف شمال الأطلسي" المتواجدة فيه كعضوه، أن يقبل التدخل العسكري لصالحها في حالة نشوب حرب بينها وبين سورية. كما أن الولايات المتحدة لم تظهر أي تضامن مع أنقره في حالة نشوب حرب مع سورية.
ووجد رئيس وزراء تركيا، رجب طيب أوردغان، نفسه في موضع لا يحسد عليه، ولكن الغرور السياسي لم يسمح له أن يعلن عن فشله. فأطلق تصريحه الشهير، حيث طالب باستقالة الرئيس السوري، بشّار الأسد، وتعيين نائبه، فاروق الشرع، رئيسا للبلاد. بأي حق يتقدم بمثل هذا الطلب؟ أليس فيه غطرسة سياسية بل وإفلاس فكري، ويذكرنا بمواقف استعمارية، عندما كان السفير البريطاني يقيل حكومة ويقيم حكومة في مصر، ويذكرنا بالمندوب السامي البريطاني الذي كان يتحكم بما يدور في فلسطين، والحكم العثماني المقيت الذي ربص على صدورنا حوالي 400 سنة.
قد يجد رئيس وزراء تركيا، دعما من بعض الأنظمة العربية التي تفتش هي أيضا عن مخرج "مشرف" لها من الأزمة السورية بأي ثمن. هل المشكلة السورية اختصرت بتنازل الرئيس الأسد عن منصبه؟ هل انتهت المطالبة بتغيير النظام؟ وهل لم يعد حزب البعث الحاكم هو السبب الرئيسي الذي أدى إلى انتشار الفساد في سورية؟ وغيرها من الاتهامات التي رفعتها المعارضة السورية منذ البداية؟
وهناك تحركات كثيرة في المنطقة تفتش عن تبريرات لمواقف قادتها على غرار تحركات الرئيس المصري، محمد مرسي، حيث يريد أن يعالج أمور يطالب بها الشارع المصري، وفي مقدمة ذلك إعادة النظر في اتفاقية كامب ديفيد، وفتح معابر رفح بين مصر وقطاع غزة، وفي نفس الوقت لا يستطيع عمل أي شيء بدون ضوء أخضر من واشنطن، وهذه بدورها غير معنية في فتح ملف كامب ديفيد، والدخول في متاهات شرق أوسطية جديدة حيث يكفيها ما تراه على أرض الواقع، وفتح معابر رفح معناه تحدي لإسرائيل. ولهذا يحاول مرسي أن يجد له مخرجا مشرفا يقبله الجميع، وهذا عمل مستحيل.
وهناك موقف رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، الذي يريد أن يرضي شعبه بالتقدم بطلب اعتراف الأمم المتحدة بدولة فلسطين، عضوا كاملا أو غير كامل. ولكن أمريكا وإسرائيل معارضتان لهذا التحرك. ورغم أن الأغلبية الساحقة من دول العالم تدعم موقف عباس، إلا أنه لا زال يفتش عن مخرج مشرف يرضي به شعبه وأمريكا وترضى به إسرائيل أيضا، وهذا من رابع المستحيلات. فإسرائيل لن تقبل بقيام دولة فلسطينية إلا إذا كانت شبه دولة واقعة تحت السيطرة الإسرائيلية، مبنية على أساس أن الأرض تابعة للشعب اليهودي والفلسطينيون قيمون عليها ويدورون شؤونهم الاجتماعية فقط. طبعا هذا أمر مرفوض بكل ما للكلمة من معنى. وأمريكا لن تقبل أي حل لا توافق عليه إسرائيل، بل وتعمل على وأده وهو في المهد، فكيف يمكن لعباس حل هذه المعضلة؟ لقد وجدها في تهديده بعدم ترشيح نفسه لفترة رئاسية ثانية.
كل ما تقدم يؤكد أن هناك إفلاس فكري، وغطرسة مبنية على نقاط ضعف. وهذا يعني أنه لا يمكن الوصول، عن طريق هذه المواقف، إلى أي حل مقبول في منطقة الشرق الأوسط. ويبدو أن بعض الدول من ذوي التأثير في المنطقة غير معنية بمثل هذا الحل، فالموقف في المنطقة يقدم لهذه الدول استفادة اقتصادية وسياسية وعسكرية.