مع انطلاقة الحوار الاجتماعي في فلسطين، واعتلائه اهتماماً ومقاماً محموداً، بفضل اهتمام السلطة الوطنية والحكومة بهذا الأمر، إدراكا منها بأنه الطريق القويم والسراط المستقيم الموصل للحلول في القضايا المجتمعية المختلفة التي تهم المجتمع وطموحات الناس وتطلعاتهم، جعل الحكومة تضع مسالة الحوار في سلم اهتماماتها وأولوياتها الوطنية والمطلبية على حدٍ سواء.
ومن وحي وهدي التكامل بين الأدوار وتحمل المسؤوليات، رفع وزير العمل د.احمد مجدلاني لواء الحوار الاجتماعي وأطلقه في فلسطين، كخطوة جادة، أسهمت بلا شك إسهاما كبيرا في خلق حراك مجتمعي ايجابي تشاركي لصالح التطور والتقدم والنمو، الذي يعزز صمود شعبنا ونجاحه في حماية مشروعه الوطني، بنضال دؤوب وجاد وعبور تنمية معززة بجملة من برامج وسياسات الإصلاح الإداري والبناء المجتمعي، صعودا نحو الماسسة لولوج مرحلة الجاهزية في بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية التي نطمح.
ويمكن القول أن وزارة العمل ومنذ العام 2009 قد شرعت بحملة معززة بدعم فني دولي من قبل منظمة العمل الدولية ILO ومؤسسة التعاون الألماني GIZ وأطراف عربية ودولية أخرى، لإرساء الأسس الفنية والإدارية والقانونية اللازمة لانطلاق الحوار الاجتماعي في فلسطين، ولاسيما بين أطراف الإنتاج الثلاثة عمال وأصحاب عمل وحكومة، باعتبارهم النواة الحية والصلبة وبيت القصيد، الناظم لتوازن مصالح الشركاء الثلاثة ومصالح المجتمع ككل في إطار تكاملي.
لقد اتخذ الحوار الاجتماعي عدة مسارات، وطرح قضايا ملحة وإستراتيجية على الطاولة بين الأطراف، بما في ذلك منظمات المجتمع المدني والأهلي، وكان هاجسنا وديدننا دوما توسيع مساحة الديمقراطية عبر توسيع مساحة الحوار، وإرساء أسس ودعائم للحوار الاجتماعي، ليرتقي إلى مستوى ثقافه وطنية ومنهج وطني عام، محمولا على أكتاف قانون العمل، قدما نحو ترسيخه وقوننته ومأسسته لضمان النجاح على أساس تراكمي، وعدم العودة إلى الخلف.
وها نحن اليوم نخوض نضالا ضروسا على كافة المستويات، للذود عن هذه ديمقراطيتنا الفلسطينية التي نباهي بها الآخرين، ونحرص على ترسيخها وقوننتها، لتشكل ضمانة النجاح والتطور إلى الأمام، على كل الجبهات والمسارات وليس على حلبة الاقتصاد وسوق العمل وحسب، وهو الأمر الذي رعته القيادة والحكومة الفلسطينية، بالرغم من كل ما يحيق بشعبنا وقضيتنا من مؤامرات وحصار مالي واقتصادي وسياسي، للحيلولة دون تمكيننا من نيل حقوقنا الوطنية في إقامة دولتنا الحرة المستقلة الخالية من الاحتلال في نطاق حل الدولتين الذي بارَكَ حولَه المجتمع الدولي وعملنا وتفاوضنا لأجله سنوات، وبالرغم من جميع الأعراض الجانبية التي نشهدها اليوم ونقطر دما وتعبا وسياسة وتجويعا بسببها.
وقد كان موضوع الحد الأدنى للأجور ثاني اثنين الى جانب إنشاء المجلس الاقتصادي والاجتماعي، ، في صلب هذا الحوار الاجتماعي المعزز والمنظم، وقاد وزير العمل مراحله ومنعطفاته المختلفة منذ بداية نهضة الحوار الاجتماعي وإطلاقها في فلسطين وحتى الآن. حيث جرى حوار اجتماعي عميق ومستفيض ومسؤول من قبل جميع الأطراف، فكان أن تشكلت بعد ذلك، لجنة سياسات الأجور برئاسة وزير العمل، لتضم في إطارها المكون، وبحكم ما نص عليه قانون العمل الفلسطيني جميع الأطرافمن ذوي الشأن والعلاقة بموضوع الأجور.حيث شارك في عضويتها خمسة ممثلين عن مؤسسات القطاع الخاص وهي: - اتحاد الغرف التجارية والصناعية – مركز التجارة الفلسطيني (بالتريد) – اتحاد المقاوليين – جمعية البنوك – اتحاد الصناعات الفلسطينية, بينما مثل فريق العمال خمسة مندوبين عن كل من:- الاتحاد العام لعمال فلسطين- الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين – النقابات المستقلة- نقابة العاملين في الجامعات. هذا بالإضافة إلى خمسة أعضاء يمثلون الحكومة عن وزارات ذات علاقة وهي:- العمل- الاقتصاد الوطني- المالية- التخطيط- العدل.
لقد عمل جميع هؤلاء طوال ثمانية شهور في حوار جاد ومسؤول لوضع حد أدنى للأجور وعلى مرحلتين، منتقلين من مرحلة الحوار الاجتماعي، نحو المفاوضة الجماعية، التي أفضت لتحديد الرقم الوطني المناسب والمتوازن، الذي لم يغفل أو يتجاهل مصلحة أي طرف في إطار المصلحة الوطنية العليا. لا بل واستطيع القول وبالفم الملآن، ان وزير العمل بشخصه قد ترأس كافة الاجتماعات وجلسات الحوار بلا استثناء، وذلك حرصا منه على ضمان النزاهة والشفافية وقانونية وأدبيات الحوار والمفاوضة التي شرعها قانون العمل الفلسطيني رقم 7 لسنة 2000. وكرئيس للجنة، حرص أيضاً على تأكيد مبادئ الحوار المقرة بالقانون، وعلى بقاء الحكومة على مسافة واحدة من الجميع، بحيث ظلت تلعب دور الراعي والميسر للحوار بين فريقي العمال وأصحاب العمل، باعتبارهما طرفي العمل الرئيسيين، دونما إبطاء ولا إغفال، لقانون العرض والطلب والإيجاب والقبول الحر، الذي يجمع بين المشتغل والمشغل في شراكة. وكانت اللازمة على لسان الوزير في كل جلسة، هي "أن الحكومة ستظل على مسافة واحدة من الطرفين ولن تتدخل في فرض أو تحديد أي رقم كحد أدنى للأجور وإنما ستبارك أي رقم يتفقون عليه" وهذا ما حصل.
نعم الحكومة التزمت على امتداد هذه العملية بنصوص القانون ولم تتدخل بشيء من عندها، رغم مطالبة اتحاد نقابات عمال فلسطين الدائمة بان تسرع الحكومة وتحسم الأمر من جانبها، وهو ما قوبل بالرفض لان القانون لا يخول الحكومة بذلك، وأصر الوزير على استمرار التفاوض حتى يتوافق الطرفان على رقم يراعي مصالح العمال وأصحاب العمل أولا وعلى حد سواء. وبالتالي كان التفاوض على هذا الأمر قائما على أساس حوار المصالح وقبل كل شيء والتي لا يجوز لأي طرف تجاهل مصالح الطرف الآخر.
نحن أردنا وحرصنا، أن يكون هذا الرقم المتواضع 1450 شيكلاً في ظل الفقر والواقع الاقتصادي والمالي والاجتماعي المأزوم، رقما محفزاً للاقتصاد وميسراً للنمو لا مثبطا، ويحفظ بذات الوقت، أقصى الحدود الممكنة في الظروف القائمة، لحياة أكثر كرامة وعدالة للعامل.
في ضوء هذه التشاركية في المصلحة المتبادلة القائمة بين العمال وأصحاب العمل، فإننا نؤكد على حرصنا ودعوة الطرفين بأن تظل علاقتهم مجسدة لهذه التكاملية. إذ لا يمكن لأي صاحب عمل أن يزيد ويوسع في فرص العمل إذا لم يحقق الربح الكافي لاستيعاب دفع الأجور وتوسيع الإنتاج.
وهنا جاءت فلسفة تركيز التفاوض ما بين الطرفين الرئيسيين العامل والمشغل. ولأجل كل هذا ظلت سياسات الحكومة تركز على تنمية الاقتصاد ودعمه على أسس تنموية صلبة شاملة ومستدامة. فنحن لسنا دولة ذات اقتصاد اشتراكي تملكه الدولة، لتكون هي المسؤول عن تحديد الأجور وحدها دون غيرها كما أراد البعض. فنحن جزء من منظومة اجتماعية اقتصادية ليست معزولة عما حولها وتتبع له قسراً، ويحكمنا قوانين ونظم واقتصاد السوق الذي يعتمد على العرض والطلب ما بين البائع والمشتري، والعمال وأصحاب العمل. فما هي قيمة أن تفرض على أصحاب العمل رقماً لا يلبي التكامل بين مصلحة الطرفين، وبالتالي نكون أمام تسريح أعداد كبيرة من العمال يضافون لجيش العاطلين عن العمل، وغلاء أكثر عُهراً وفُحْشًا في أسعار السلع المنتجة؟ نحن نريد أن تزداد فرص العمل ونشغل أعداد اكبر من العمال والباحثين عن عمل كنتاج لنمو اقتصادي حقيقي وليس قرارات دعاوية عاطفية غير مدروسة.
وللذين اعتبروا هذا الانجاز التاريخي يوماً اسود أقول: إن هذا اليوم ابيض على الشعب الفلسطيني، ونجاح وانجاز غير مسبوق، فلأول مرة نضع حدا لاستمرار انهيار وتدني الأجور نحو مربعات الاستعباد والعبودية في العمل، والتي تعج بآلاف العاملين في قطاعات الخدمات ورياض الأطفال وعاملات الخياطة والنسيج والعيادات ومحلات النوفوتيه..الخ الذين يعملون بأقل من 1000 شيكل وتتراوح أجورهم الاستعبادية في معظمهم ما بين 500 و600 شيكل وأحيانا 400 شيكل شهريا، ناهيك عن عملهم مقابل ذلك 12 و13 ساعة في اليوم. وهؤلاء يقدر عددهم في قطاع غزة بحوالي 84ألف عامل، وفي الضفة حوالي 65 ألف عامل. أليست هذه العبودية بعينها يا سادة؟ نعم، نعتبر هذا انجازا مهما ومفخرة لشعبنا، إذ يشرفنا ويثلج صدورنا أن يكون الحد الأدنى للأجر قد اقر بالتوافق بين العمال وأصحاب العمل مع الحكومة ديمقراطياً ووفق القانون بأغلبية المطلقة، وتحدد بمبلغ 1450 شيكل كتجربة وخطوة أولى في تاريخ الشراكة الثلاثية، وفي ظل كل الظروف والأزمات والتعقيدات المثبطة والمانعة لنمو اقتصادنا الوطني. نعم، أنها مفخرة أن نقول اليوم بان هذا السقف للأجر سيرفع نيرالاستعباد عن ما يزيد عن 84 ألف عامل في غزة و 65 ألفاً آخرين في الضفة الغربية ممن يتقاضون الأجور المجحفة التي لا تصل الألف شيكل وتدور في جلها في دائرة 400 و500 شيكل. وسيستفيد منه بالمجمل أكثر من 340ألف عامل يتقاضون أجوراً دون سقف هذا الحد الأدنى، أي بواقع حوالي 240 ألف عامل في قطاع غزة وحوالي 100ألف في الضفة الغربية. إنه انجاز وطني وأساس صالح لنضال نقابي بناء ومستقبل أفضل لكل من يرون مصالحهم الخاصة بمنظار المصلحة الوطنية العامة ويريدون مصلحة البلاد والذهاب بها الى برِّ الأمان.
إن من يطالبون باعتماد خط الفقر رقما للحد الأدنى للأجر دون أن يأخذوا بعين الاعتبار والمعرفة، بان مكونات الأجر تختلف عن مكونات الفقر وأسبابه ومفاعيله، هم في الحقيقة يجهلون كيفية احتساب الحد الأدنى للأجر، فهناك معادلة ومعايير دولية تقول أن احتسابه يُشتق من خلال معادلة حسابية، بتقسيم خط الفقر الوطني الذي هو 2237 شيكلاً على معدل الإعالة في الأسرة الواحدة والذي هو 1,5% في فلسطين (1,6% في الضفة و1,3% في غزة) فكان1491,3شيكل، اضافة الى تقسيم خط الفقر المدقع الذي هو 1783 شيكلاً على 1,5% فكان 1188,6شيكل، وبقسمة مجموع حاصل قسمة خطي الفقر الوطني والمدقع الذي هو2679,9شيكل على اثنين كان الناتج هو الحد الأدنى للأجر والذي في الحقيقة واستنادا لذلك 1339,95شيكل بالضبط، لكن الشعور بالمسؤولية الوطنية من قبل أصحاب العمل ونتيجة التفاوض الذي جمع الأطراف الثلاثة أوصلنا لرقم معقول وهو 1450 شيكل، ولا يمكن لمطلق انسان أن لا يعتبر ذلك إنجازاً وطنياً وانتصاراً للديمقراطية الفلسطينية المشبعة بروح التكافل الوطني والاجتماعي وخطوة واعدة بالاتجاه الصحيح ستؤسس نقطة ارتكاز صلبة وهامة للنضال النقابي والمطلبي الفلسطيني. ناهيك أن جلسات التفاوض استمرت بحضور وفعالية كافة الأعضاء الخمسة عشر حتى آخر جلسة التي غاب عنها ممثلا الاتحاد العام لنقابات العمال، وبعد استنفاذ الحوار معهم ذهبنا للتصويت وفقا للأصول الديمقراطية القانونية وما يفرضه علينا القانون والالتزام به، فكان القرار بالأغلبية المطلقة بموافقة 13 عضوا وغياب عضوين يمثلان نقابة واحدة من أصل أربع نقابات عمالية تمثل فريق العمال. وبالتالي لا يقع على عاتق صاحب العمل أن يغطي فجوة الفقر من جيبه، لأن العلاقة بين العامل والمشغل هي علاقة إيجاب وقبول وشريعة تعاقدية، يقدم العامل قوة عمله على أساسها كحق مقابل حق، والفقر يندرج عملياً داخل الحماية الاجتماعية والمساعدات، وليس الأجر، حيث أن الأجر سبب من بين أسباب ومكونات كثيرة للفقر وهو ما تفهمه وأخذه بعين الاعتبار جميع الأطراف المتحاورة لدى المفاوضة الجماعية وعند تحديد الرقم النهائي، الذي زاد على ناتج معادلة احتساب الأجر حتى وصل 1450 شيكل.
فلماذا كل هذا الضجيج المفتعل ضد الحكومة، من قبل النقابة التي كانت تلح على الحكومة أن تحسم الأمر بمفردها، وفي هذا دعوة لمخالفة القانون؟!
إن من يعمل ويجد سيبقى دوما تحت مجهر الآخرين وعرضة للنقد والتجريح، ومن لا يعمل ولا يشارك في المسؤولية لا احد يراه أصلا، فهنيئا لكل من آثروا النوم في العسل على أن يشغلوا أيديهم بالجد والعمل.
فالحكومة رغم أنها شريك من أصل ثلاثة، إلاّ أنه من الطبيعي أن ترى بمنظار المسؤولية الأكبر والأوسع وأم الولد، والمنتقد أو المُتَلَكِّك لا يرى إلاَّ بعين واحدة إن لم يتعامى أصلاً. وبالتالي فان استفادة ما يربو على 340ألف عامل من هذا القانون وإنصاف وتحرير حوالي 140ألف عامل من نير عبودية الأجر، أمر يستحق منا تحمل أية انتقادات وافتراءات لحسابات ضيقة من كائن من كان.
في الختام أقول: إن هذا الانجاز الوطني الهام، يستحق منا أن نحرص عليه أولا ونبني عليه ثانيا، وان لا يغفل كائن من كان، بأننا بذلك نكون قد أسسنا ومأسسنا وقوننا الحد الأدنى للأجور في فلسطين. وهو ما يمكن أن نعتبره أرضية صلبة ومهمة تؤسس لنضال نقابي جدي في بلادنا، وتساعد في تعزيز وحدة الحركة النقابية وتشغل أيديها بالعمل المثمر الذي يحقق مصالح العمال ويحسن شروط وظروف عملهم وينمي الاقتصاد، بدلا من شغلها بالنضال السلبي والنيل من المنجزات. وهو ما يتطلب اليوم العمل على تغيير نظرة الصراع التناحري بين العمال ومشغليهم، وإرساء علاقة ايجابية جدلية لمصالح تبادلية مشتركة تعود بالنفع على الطرفين والاقتصاد الوطني عموماً، إذ لا نجاح ولا حياة لأي طرف من الشركاء دون الآخر. أعود وأختم بالقول: "إن هذه الأيدي خلقت لتعمل، فإذا لم تجد في الطاعة عملا التمست في المعصية أعمالا، فاشغلوها بالعمل قبل أن تشغلكم بالمعصية". فما حققناه اليوم سيظل مفخرة لشعبنا وانجازا كبيرا لا يمكن حجبه بغربالْ أو التشويش عليه بِطَبَّالْ.