لعلّني لستُ الوحيدَ الذي لا يجدُ تفسيرًا لموقفِ واشنطن من حليفها العراق، فقد بذلت الولايات المتحدة الغالي والنفيس من أجل ما أسمته الانتصار لحرية الشعب العراقي، ووضعت في أولويات أهدافها من غزوها العراق تحويله إلى واحة للديمقراطية؛ ليكون مثالاً يحتذى في الشرق الأوسط الكبير.. اليوم بعد مضي أكثر من تسعة أعوام على ذلك الغزو، أصبحت العراق دولة شبه فاشلة ترتع في الفساد وتحكم من قبل نظام لا يمتُّ للحكم الرشيد بصلَةٍ. ليس هذا بيت القصيد، وليس ذلك ما وددت الخوض فيه ليكون محورًا لمقالي هذا الأسبوع، ولكنني -كملايين غيري- نتساءل: كيف انتهت المهمة الأمريكية (النبيلة) بتسليم العراق إلى من يفترض نظريًّا بأنها الدولة التي تشكل العدو رقم واحد لها (المقصود إيران)؟!
نفس السؤال طرحته مجلة "فورين بوليسى" الأمريكية أمس الأول عبر تحليل إخباري عمّا إذا كان العراق الجديد حليفًا حقيقيًّا للولايات المتحدة، كما تزعم إدارة الرئيس الأمريكى باراك أوباما، أم أنه عميل لإيران؟! في الإجابة عن هذا السؤال، ذكرت المجلة "أن العراق يتأرجح في ولائه الآن بين الولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى، وأنه على الرغم من أن الحكومة العراقية تجرى حساباتها على أن واشنطن تحتاجها كحليف أساسى، من أجل الحفاظ على الثروة النفطية وبيع أسلحتها، إلاّ أنه اتّضح أن ثمة علاقة عكسية بين النفوذ الأمريكى، والدور التركي - الإيراني في منطقة الشرق الأوسط. بمعنى أنه كلما تراجع حجم النفوذ الأمريكي في المنطقة كلّما زاد حجم النفوذ التركي - الإيراني حسب نظرية ملء الفراغ التي اخترعها، وزير الخارجية في عهد الرئيس دوايت أثزنهاور جون فوستر دالاس. واعترفت المجلة أنه ليس من السهل فك ألغاز التحالفات السياسية لبغداد، وأن ذلك كي يتم، فإنه، يتطلب فهم معطيات السياسة الخارجية بشكل كافٍ وجيد، وفهم أيضًا كيفية تأثير البيئتين الداخلية والإقليمية على سلوك الحكومة العراقية. وخلصت المجلة إلى أن الغزو الأمريكي للعراق أدّى إلى ثلاث نتائج محورية في المنطقة، أولها: التحوّل الجذري فى موازين القوى الإقليمية لصالح إيران، نتيجة الإطاحة بنظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين، الذي كان يُكنُّ عداءً شديدًا للنظام الإيراني، إضافة إلى تدمير الجيش العراقي. وثانيها بزوغ وتنامي دور الجماعات الجهادية (السنية)، التي رأت في أحداث الربيع العربي فرصة جديدة لتوسيع نطاق نفوذها داخل المنطقة. أمّا النتيجة الثالثة فتبلورت في الصراع الطائفي في البلاد، حيث تتنازع الجماعات المسلحة فيما بينها لملء الفراغ الناجم عن الإطاحة بنظام صدام حسين. صحيح أن هذا تحليل جيد وواقعي بدرجة كبيرة، لكن ما تغافلت عنه المجلة المفارقة العجيبة التي تعبر عن نفسها في الموقف العراقي إزاء تطورات الأحداث، فبالرغم من أن نظام بشار الأسد هو الوجه الثاني لنظام صدام حسين باعتبار النظامين بعثي ديكتاتوري تعسفي، وبالرغم من أن ممارسات الأسد الوحشية ضد شعبه تفوق بعشرات الأضعاف ما كان يفعله صدام بشعبه، إلاّ أن كل الدلائل تشير إلى أن حكومة نوري المالكي تدعم نظام الأسد، وهو ما تأكد بشكل قاطع خلال زيارته مؤخرًا إلى روسيا وقوله في تصريحات صحافية إن تركيا (التي تدعم الشعب السوري في تطلعاته نحو الحرية) تتصرف بـ"وقاحة" حيال الأزمة السورية، وأنه ينبغي على الأسرة الدولية إيقافها..!