عاد الحكم الحمساوي في غزة، الى غلاظته وعُصابه بذات الوتيرة التي رآها الفلسطينيون بعد الانقلاب الدامي. وكانت آخر فصول هذا المنحى المريب، الاعتداء على أسير محرر، أمضى 27 عاماً في السجن، أي إنه ذاق مرارات الزنازين وعذاباتها، في وقت لم تكن الحلقة "الفلسطينية" من جماعة "الإخوان" فكرت في الدخول على خط المقاومة أصلاً، وكانت تنأى بنفسها على موضوع النضال وعن أهل النضال، بل إن رايتها كانت بيضاء عند الحكم الاحتلالي العسكري، يوم أن دخل الأسير المحرر المبعد، الى زنزانات الاحتلال..!
هلال جرادات، الذي انهال عليه المُريبون بالضرب المبرّح، كان أُبعد من الضفة الى غزة، أي إنه ضيف بالمعنى العشائري الذي تكرسه "حماس" في تفرقتها بين المواطنين، وإذ لا يستوي عندها أبناء قرية "قم" مع أبناء جارتها "أصفهان" على قاعدة أن الأولى قد أعزها الله بالحوزة العلمية، فما بالنا بشرق السكة وغربها، وشمالي المساحة والأطراف والجهات الأخرى البائسة، التي فيها الأتباع السذج، الأبعد عن "الحوزة"..!
إن المنطق الذي يدفع الى اعتداءات شديدة القسوة والفظاظة، هو ذاك الذي أظهرته "حماس" خلال فترة حكمها لغزة. فميليشيا الأرزقيين والمأزومين وأبناء وأحفاد المتضررين من حركة التحرر الفلسطينية؛ لا يوقرون كبيراً، ولا مناضلاً أمضى حياته في البذل على طريق الحرية، ولا زاهداً عابداً يخالفهم الرأي، وهم يطيحون بتقاليد وقيم وآداب المجتمع الفلسطيني التي تشبعت بها الأجيال، حيث يبجل الصغير الكبير ولا يقوى على إهانته أو التجرؤ عليه. ويمكن لمليشيا الأرزقيين هذه، وهي تتقمص دور الشرطة التي يفترض أنها تعمل بالقانون، وتحظى بصلاحيات الضبط القضائي؛ أن تدفع ولداً لا يعرف دينه ولا وطنه، ليصفع مناضلاً محترماً أو يُشبعه ضرباً وإهانة. فقد تدرب الصغار الأرزقيبون، الذين لم يقاتلوا ولا يعرفون شيئاً عن التاريخ الفلسطيني، على كيفية التعالي على الناس وإهانة كراماتهم. وكان ذلك يمر بشفاعة حجم هائل من الأكاذيب عن المقاومة وعن الزحف لتحرير القدس، وكذلك بشفاعة الدين الذي يخالفون تعاليمه في كل مسعاهم وسلوكهم وجشعهم. اليوم، ومع انكشاف الأمر الواقع على طبيعته، أظهر الموتورون معطلو المصالحة، عُصاباً موتوراً وعصبية فاضحة، ربما بسبب مجموعة كوابيس، من بينها التوافق الشعبي الفلسطيني في غزة على أنهم مارقون وكاذبون وأن زمنهم هو زمن المحنة واختبار قدرة الناس على الصبر المصيبة قبل الانفجار. ومن بين الكوابيس كذلك، هو ذلك الانكشاف الذي لن يدع لهم مجالاً للاستمرار في اختطاف غزة وحرمان أهلها من حقهم في اخيتار من يحكمونهم. لكن تعبيرات هذا العصاب، تكون شائنة وشديدة القبح، حين تطال مناضلاً أسيراً محرراً مبعداً، يُفترض أنه ضيف محروم من العيش مع أهله وفي مسقط رأسه.
إن هذا السلوك الشائن، الذي يعكس عُصاب الموتورين، يقتضي وقفة من داخل "حماس" نفسها، وإلا فإن جميع الحمساويين سيتحملون المسؤولية وسيشملهم ولن يستثنيهم، الحكم الذي يفرضه الواقع والمنطق والدين والوطنية، على أولئك الذين يعطلون المصالحة ويتعمدون إلحاق الخراب بفلسطين القضية ومشروع الاستقلال والحرية..!