في مناسبة حرب تشرين الأول (أكتوبر) التحريرية في عام 73؛ كانت زيارة الرئيس محمد مرسي لنُصب الشهداء وفي قلبه ضريح السادات، تعطي إشارة بات رئيس الجمهورية في حاجة اليها، وهي أنه قد أصبح رجل الدولة لا رجل "الجماعة" وحسب. بدأ من نقطة على رزنامة الأيام، يصعب تجاوزها، وهي ذكرى الحرب الهجومية التي قادها الرئيس الأسبق محمد أنور السادات، الناجحة مئة في المئة في أسبوعها الأول، والمتداعية الى نسبة أقل من النجاح في الأسابيع التالية، قبل أن تفتح نتائجها الطريق الى عملية الصلح المنفرد الذي آذى وحدة الموقف العربي على "الحل العادل والشامل". وبسبب الشعبية العالية لحرب 73 في الشارع المصري؛ كان صعباً بالنسبة لمرسي، أن يتجاوز عن المناسبة المتطابقة مع ذكرى السادات. هنا، ألقت الحاجة الى التصالح مع التاريخ، بثقلها عند الرجل، لأن تجارب الأسبقين لا تُختزل في واقعة ولا في لقطة أو في جملة. فالرئيس الأسبق محمد أنور السادات، كان عضو الميمنة في المحكمة العسكرية التي ترأسها جمال سالم، وأصدرت الأحكام بالإعدام على عدد من رموز جماعة "الإخوان المسلمين" في العام 1954 ومنهم القاضي والفقيه الدستوري عبد القادر عودة، الذي كان قبل شهور أحد أعضاء لجنة صياغة الدستور المصري. وبخلاف مواقف السادات المناوئة لجماعة "الإخوان" طوال حياته، باستثناء الفترة القصيرة التي تعمد فيها التراخي معهم للانقضاض على بعض إرث عبد الناصر وعلى اليساريين والقوميين؛ جاءت التطورات ومصادفاتها، بنهاية السادات بعد صدام أيلول (سبتمبر) 1981 مع كافة الأطياف السياسية المعارضة، سواء منهم "الإخوان" أو "الجماعات". لكن ذلك كله، لا يمكن أن يشطب تاريخ الرجل ولا يلغي حقيقة أنه صاحب المبادرة الى شن حرب لا بد منها، أعادت للقوات المسلحة المصرية كرامتها وهيبتها، واستكملت ما بدأه جمال عبد الناصر، منذ اليوم التالي لوقف إطلاق النار في حرب 67 من عملية بناء تصل الليل بالنهار، لبناء القوة العسكرية والاستعداد للمعركة..!
الجماعات، في فضاءاتها الصغيرة، تختزل التجارب والناس والتاريخ، فتصدر أحكامها وفرضياتها. وللأسف، يجري تلقين الناشئة والأجيال الحائرة التي تلوذ الى أطرها السرية والعلنية، كل الاختزالات والفرضيات القاصرة، فيهضمها الصغار ويتداولونها ويتقدمون في السن، وهم عليها. لكن رجال الدولة، في مواقع المسؤولية، إذا فعلوا الشيء نفسه، فإن تجاربهم سرعان ما تختنق أو تحتقن وتتداعى. وحتى لو اهتموا ببناء منظومات أمنية تحميهم من غضب الشعب، فإن المجتمع ينفجر آجلاً أم عاجلاً. لذا ظهر مرسي، يوم 4 تشرين الأول (أكتوبر) لينطق بغير ما تنطق به "الجماعة" وليمنح الأوسمة للسادات ويشيد به، وليفعل ما فات السادات أن يتداركه قبل رحيله اغتيالاً، وهو تكريم الرجال الذين أمضوا أعمارهم في القوات المسلحة وأبلوا بلاء حسناً، كالفريق الشاذلي الذي اختلف معه وعاش في المنفى، قبل أن يعود ويسجنه رئيس تالٍ، اختصر الضربة والحكاية في شخصه ودوره..!
منذ الأيام الأولى لعهد مرسي، قلنا إن المحك الحقيقي لتجربته، يكمن في مدى قدرته على أن يخلع من فضاء "الجماعة" بالقدر الذي تستوجبه التجربة ويضطره اليه حجم المسؤولية. فمصر ليست غزة، التي لا يدري الكثيرون شيئاً، عن تفاصيل الحقائق فيها، وبات فيها سهلاً على سفهاء من "الجماعة"، من القاعدين تاريخياً الذين لا راحوا ولا جاءوا نضالياً، اختزال تجربة الحركة الوطنية المعاصرة، في لقطة، أو في شخص فاسد أو في اجتهاد خاطيء أو في ظواهر محاولات التسوية، لا في جوهرها. ومختزلو الحكايات والتجارب، هاضمو حقوق الناس وناكرو تجاربها، بطبيعة ضمائرهم العفنة، يرمون الأحكام على عواهنها ثم ينصرفون الى حيث توعز لهم ضمائرهم، فإذا بهم باذخون فائحون ولا قلوب مؤمنة بين ضلوعهم، فلا زُهد ولا رُشد، ولا غيرة على المجتمع ولا سياسة ولا جهاداً ولا ما يحزنون..!
في ذكرى حرب 73 أدى الرئيس مرسي واجبه بكياسة. بقي أن يفعل الشيء نفسه مع جمال عبد الناصر، الذي كان مرسي أحد أبناء الطبقات الشعبية التي استفادت من عهده في التعليم وفي انفتاح الآفاق الى النبوغ العلمي. لقد بادرت مجموعة من "الإخوان" عبد الناصر بالعداء، في لحظة "إخوانية" مضطربة تخللتها صراعات داخلية. وكان الزمن بالنسبة لعبد الناصر صعباً ومعقداً، وساعدته على التشدد مع "الإخوان، أن مرجعياتهم العربية آنذاك، كانت في الخندق المضاد لحركة التحرر في العالم العربي وإفريقيا. فـ "الجماعة" كانت مدللة عند أصدقاء بريطانيا والولايات المتحدة. أما في مصر اليوم، على الرغم من اختلاف البيئة الدستورية والقضائية والسياسية، في الخمسينيات؛ عنها في العشرية الثانية من الألفية الثالثة؛ يُحاكم إعلاميون بسبب المساس برئيس الجمهورية الذي لا يخوض تحديات خارجية حاسمة وجسيمة، تتهدد استقلال البلاد، مثلما كان حال عبد الناصر في الخمسينيات. والأجدر أن تتحلى "الجماعة" بروح المسؤولية والعدالة التي أظهر مرسي بعضها، في ذكرى الحرب. هذا بخلاف الواجبات التي يُفترض أن يؤديها مرسي، لتطبيق مقولة "المسافة الواحدة" والانحياز للفقراء، لغير صالح المتمولين الحيتان، من رجال الأعمال الملتحين ذوي العطور الزيتية..!