في صبيحة الجمعة الماضية، كان اللقاء مع أصدقاء كُثر، داخل مبنى ضريح جمال عبد الناصر في ذكرى رحيله، وكانت الصلاة في المسجد الذي اختار بنفسه، تصميماته ونقوشه. قرأنا الفاتحة على روح المناضل، والقائد الصلب الزاهد. وفي الليلة السابقة، مضت السهرة الفكرية مع الكاتب فهمي هويدي في منزله، واستمتعنا بحديث عن جوهر التحديات التي تواجهها الحركة الوطنية الفلسطينية، وانعقدت المقارنات بين المراحل وتحدياتها ورجالها. قدرت للكاتب فهمي هويدي، وقفاته لإنصاف الفلسطينيين وآخرها مطالبته بمساواة الطلبة الفلسطينيين بأشقائهم المصريين في الجامعات، على نحو استثنائي مثلما تقرر مؤخراً للطلاب السوريين في محنة بلادهم. لكن تعقيدات ما تمر به الأمة، في هذه الأثناء، وطبائع المواقف وكيفيات التصدي لها، رجّحت كفة جمال عبد الناصر الذي استهلك حياته القصيرة، في مواجهة التحديات الجسيمة، وهو ينتقل بالبلاد من نمط في الحكم وفي الاجتماع السياسي، الى نمط آخر يتسم بالأمل، وبالثقة العالية بالنفس، ويوسع قاعدته الاجتماعية، بالأخذ من طبقة الأغلبية الفقيرة المعدمة، والإحالة الى الطبقة الوسطى التي يشق أبناؤها الطريق الى المستقبل. يستذكر المرء في هذه اللحظات، حجم المؤامرات والتدخلات الاستعمارية التي استهدفت مصر بعد ثورة 1952 وكيف أن الرجل ظل قابضاً على الجمر، موصولاً بحركات التحرر، لا يخشى في مواقفه لومة لائم. كانت مقدرات البلاد أقل مما هي عليه اليوم، وقوتها محدودة، وأعداء الحرية كُثر، والعالم العربي منطقة نفوذ ناشط، للغرب. لكن مساحة الحلم كانت تتسع كلما ازدادت المصاعب، فتعلمت الأجيال منه أن لا تيأس، وأن لا تفقد الثقة في حاضرها ومستقبلها..!
عند ضريح جمال عبد الناصر، احتشد الناس من كل الأطياف. فأمام ذكراه، يغادر الكثيرون أقفاص حياتهم وأحزابهم وثقافاتهم المترفة، فيقصدون الضريح في ذكرى الغياب قبل اثنين وأربعين عاماً. كان لافتاً حضور عناصر ملتحية من الإسلاميين. سمعت واحداً من هؤلاء يرد على تعليق لم اسمعه، فيقول إن الأمور تختلط عند البعض، فليس كل الإسلاميين ناكرين لمواقف عبد الناصر ووطنيته وشموخه، وليسوا جميعاً يأخذون تجربته قياساً على حسابات صغيرة ومجتزأة. كذلك كان الشيوعيون الذين سُجنوا في عهده، حاضرين مع محبيه القوميين. شيوخ ورهبان وفنانون وشبان وفتيات، احتشدوا في المكان، كأنما انجذب كلٌ منهم تلقائياً الى الأنموذج الذي يتمناه في هذا الخضم، على صعيدي الكبرياء والوطنية العميقة التي تتجاوز عن منطق القبيلة والجهة ومشارب الناس وتلاوينها الكثيرة. أكاليل الزهور التي غطت الضريح، جاءت من كل حدب وصوب. فاتني أن أذهب بإكليل زهور ممهور بتوقيع الحركة الوطنية الفلسطينية. فقد أحسست بغياب الإكليل الفلسطيني على ضريح الرجل الذي قال علناً ذات يوم، في خطاب للجماهير، إن القدس عنده أهم من القاهرة..!
نجوم اليوم، لا يتحداهم أحد. لكنهم يحاذرون ويتحسّبون، ولا خطوات كبيرة في اتجاه إنصافنا. العودة الى الوراء، ذميمة بكل المقاييس، إلا في مقياس ما نتوخاه ونرجوه. فالمحتلون يعربدون ويهددون، ولا نطمح من مصر الى أكثر من العودة الى الوراء، لكي يصعب على المهووسين العنصريين تهديدنا، ولكي نزهو بمصر وتزهو بنا، مثلما كان الحال في زمن عبد الناصر. فالعودة الى الوراء هي المأمولة على هذا الصعيد..!