منذ النكبة العربية الكُبرى عام 1948م وما نتج عنها من احتلال فلسطين، وطرد وتشريد ملايين الفلسطينيين من أراضيهم، بعد سلسلة من المجازر التي ارتكبتها عصابات اليهود ضد أهلنا وأطفالنا، إضافة لهدم مئات القرى وشطبها عن الخارطة الجغرافية، كُل هذه الأحداث كانت أمام مرأى ومسمع العالم، وضعف ووهن زعماء الأمة العربية.
لم تكن إسرائيل هي عدونا الوحيد، بل كان هناك أعداء كُثر من أبناء جلدتنا وأمتنا، فالصمت على احتلال أرضنا هو جريمة كُبرى تصب في مصلحة العدو الأول إسرائيل، والسكوت على جرائم الإحتلال ضد شعبنا الأعزل هو شراكة غير مباشرة مع هذا الإحتلال، بل والاكتفاء بإصدار بيانات الشجب والاستنكار هو مكافئة علنية وضوء أخضر لهذا المحتل ليمارس المزيد من الإرهاب ضد شعبنا، ويظل رافضاً التسليم بحقوقنا المشروعة في أرضنا ومقدساتنا.
منذ العام 1948م وشعبنا يعاني من الإحتلال، وكذلك يُعاني من خذلان زعماء الأمة العربية له، وتنصلهم من مسؤولياتهم الدينية والقومية تجاه فلسطين أرض الرسالات السماوية، هذه الأرض الطاهرة التي ذكرها الله في القرآن وخصها كأرض مباركة، فلسطين التي وُلد فيها سيدن المسيح ودُفن فيها سيدنا إبراهيم وعرج منها سيد البشرية سيدنا محمد (صلعم).
توالت حالة تنصل الزعامات العربية من مسؤولياتهم، وأصبحوا عبارة عن أدوات رخيصة بيد الصهيونية العالمية، وشاركوا في دعم الإحتلال في سياساته لأنهم لم يكونوا على قدر من المسؤولية، وظلوا خانعين أمام تغول هذا الإحتلال، فكان ضعفهم واضحاً مع نكسة عام 1967م، حين احتلت إسرائيل ما تبقى من فلسطين، وامتدت يدها لتحتل الأراضي العربية في لبنان وسوريا وسيناء.
خيانة القادة والزعماء العرب كانت واضحة وضوح الشمس، حين هرولوا لمصافحة قادة إسرائيل، وعقدوا معهم الاتفاقيات، وتركوا فلسطين تجوع وتُقتل وتتعرض للنهب والسرقة، وصولاً إلى ما عشناه من تدنيس للمسجد الأقصى والمجازر في الحرم الإبراهيمي الشريف وقتل المصلين بدم بارد، والقيام بمشروع هدم المسجد الأقصى من خلال الحفريات التي تقوم بها إسرائيل.
إن خيانة الزعماء العرب لا تحتاج إلى أدلة وبراهين، فكانت جرائمهم أمام أعين وسمع شعبنا، حين حاصرت إسرائيل الشهيد أبو عمار، وقام الزعماء العرب بقطع الاتصالات الهاتفية عنه أثناء كلمته في القمة العربية ببيروت عام 2002م، وصولاً إلى السماح لإسرائيل باغتياله بدم بارد، حتى أنهم لم يقفوا أي موقف للتحقيق الجدي لمعرفة أسباب استشهاده، وحاولوا تضليل شعبنا بالكثير من الأكاذيب والتصريحات التي تهدف لإغلاق هذا الملف الخطير والمهم بالنسبة لشعبنا.
لم يترك الزعماء العرب وسيلة للضغط على شعبنا وقيادتنا إلا مارسوها، فكان حصار قطاع غزة على يد النظام المصري بقيادة مبارك وعصابته، ثم الحرب الآثمة على قطاع غزة، والتي راح ضحيتها مئات الأطفال والشيوخ والنساء.. شعب أعزل دفع ثمن صمت وخيانة الزعماء العرب وصمتهم وبيانات شجبهم الخجولة والضعيفة أمام الإرادة الأمريكية الإسرائيلية.
حتى وقتنا هذا لا تزال المؤامرة تُحاك ضد شعبنا، فدور بعض الزعماء العرب الخياني لم يتوقف لتركيع شعبنا وإجباره على قبول شروط الولايات المتحدة وإسرائيل، إضافة إلى سعيهم الحثيث للضغط على القيادة الفلسطينية للتخلي عن النضال من أجل انتزاع حقنا في الاعتراف بدولتنا الفلسطينية في الأمم المتحدة، ففرضت بعض الدول العربية الحصار المالي على السلطة الوطنية، من أجل ابتزازها سياسياً، ومارست عليها الكثير من الإجراءات ومن أهمها محاولة خلق بدائل للشرعية الفلسطينية، حيث تقوم قطر بدعم فصائل فلسطينية حتى تكون بديلاً عن الممثل الشرعي لشعبنا، وبالتالي تنتهي القضية الفلسطينية ويضيع الحق الفلسطيني والتمثيل الذي تعترف به معظم دول العالم.
قيادتنا الفلسطينية لا تستطيع معاداة بعض الأنظمة العربية المتآمرة على شعبنا وقضيته الوطنية، فهي لا تريد أن تضع نفسها الآن في صراع مع هذه الأنظمة والدويلات، لكن شعبنا من حقه أن يحاسب كُل من يسيء له ولنضاله، ويحاول المساس بالحقوق الوطنية المشروعة، وهذا يتطلب مساهمة جماهيرية فاعلة مدعومة بلوبي إعلامي لفضح كُل الدول التي تشارك إسرائيل في الالتفاف على الحقوق الفلسطينية، وتحاول تمرير مشاريع استسلامية على شعبنا يتم من خلالها فرض جغرافيا جديدة لفلسطين وتقسميها لشمال جنوب ويكون الصراع على السلطة هو الشغل الشاغل لها.
لقد آن الأوان لفضح كُل من أساء لشعبنا، ولنكن على قدر المسؤولية الدينية والوطنية، لأن فلسطين أرض وقف إسلامية لا يجوز التفريض بها او التجارة بها، ولا يجوز أن نسمح لبعض الداخلين على التاريخ أن يتحكموا في مصير شعبنا، وأن يفرضوا علينا أجندتهم المشبوهة والمرتبطة مع اللوبي الصهيوني، هؤلاء الذين كانوا ولازالوا حماه للقواعد الأمريكية في المنطقة.