مرة أخرى يقف بنيامين نتنياهو في نفس المحفل الدولي، وأمام هيئته العليا (الجمعية العامة)، باستعلاء وتكبر، يفاخر بقدرات وإمكانيات يعتقد أنها فريدة وخاصة بأبناء جلدته، فبرأيه لولا تميز شعبه المختار لما وصل العالم كله لهذا المستوى من التقدم والإزدهار..!! حتى الوجه الحضاري والإنساني في عالمنا نسبه ليهوديته.
الأيدولوجيا اليمينية المطعمة بترقيعات من التطرف الديني والصهيوني حكمت كل خطابه، فهو يتجاوز من وما يريد، يعطي الأولوية والأهمية لما يرى ضرورة لفرضه كأجندات على العالم بأسره، ظاناً أنه مدرس في عصر الكتاتيب، له السمع والطاعة، وله ما يسبق ذلك من خيرات العطايا من مؤن وملبس، يحملها له التلاميذ أجراً وإستعطافاً، وتجاهل حقيقة أنه يلقي بكلام أمام بشر مثله تماماً، تجاوزوا مرحلة التلقين وباتوا يعيشون في نفس العصر الذي يعيش به هو، أي أن هذا العالم الكبير بات حارة ضيقة تسطع بها شمس لا تبقي أي شيء عليه ستر.
تجاهل المشكلة الأم، مصدر كل ما يجري في المنطقه والعالم من إهتزاز وعدم إستقرار، وفقدان الأمن والأمان، والهروب بإتجاه إيران وبرنامجها النووي الذي له من يتابعه جملة وتفصيلا، أبداً لن يحل المشكلة، وهو لن يحل تبعات النكبة القادمة للمنطقة كلها وبالتحديد لإسرائيل، التي حتماً لن تستطيع تجنيد ما تسعى لتجنيده ضد إيران حين تواجه أطفلاً ونساءاً في فلسطين، وحتماً لن تستطيع إقناع المجتمع الدولي بالدفاع عن مشهد أبرتهايد جديد يخدم التعصب والتطرف لدولة عنصرية هو وأمثاله يعيشون وهمها، ويرون بالأغيار دون البشر، وفق ما يؤكده ملهم تعصبهم عوفاديا يوسيف.
يبدو أن نتنياهو يرتكز على وهم تفوقه العقلي والمنطقي، وعلى إنحطاط وتدني قدرات الآخرين، بالتحديد حين لم يأخذ بعين الإعتبار إسقاطات خطوطه الحمراء، ومثَّلَ بذلك دوراً بهلوانياً أراد من خلال رسمة الكاريكاتير أن يأخذ العقول، وكأن حق الحياه والحرية والإستقلال مقتصراً فقط عليه وعلى شعبه، وأن دفاعه عن شعبه إزاء خطر يراه حقيقة أو يتوهمه له شرعيته، كما أن خوفه وقلقه يعطيه الحق بفعل ما يشاء.
حقوق شعوب الأرض كلها متماثلة، والشرعة والعرف الدوليين هما من قرر ذلك وساوى بينها، فلا يوجد شعب مختار وآخر أقل معيارا، كل البشرية لها نفس الحقوق، ومن يرسم للآخرين خطا أحمر ليس صعباً إن توفرت الإرادة أن ترسم له حدوداً قانية.. ونتنياهو في خطابه، أظهر بوضوح تخوفه من فعل القوة، وأعطى درساً واضحاً لمن لا يعلم كم هو رعديداً، ترهبه حتى الأوهام، رغم أنه يستخدم نفس المنطق محاولاً أن يرهب به الآخرين، ويمارس ذلك بعجرفة ويهدد بعقوبات على القيادة والشعب الفلسطيني توازي في أثرها نكبة العام 1948.
الثوابت الفلسطينية القانية، ظهرت بوضوح في خطاب الرئيس أبو مازن، وهي لم تكن فقط رسالة واضحة لنتنياهو وحكومته، بل وضعت أمام العالم بأسره، فإما التماثل والتساوي في الحقوق، والضغط الملموس والمنتج على المعتدي ليوقف تجاوزاته ويعطي أصحاب الحق حقهم، وإما أن يصار إلى نظام أبرتهايد جديد نتائجه لن تكون بغير عدالة لشعبين في دولة واحدة ثنائية القومية وبثمن نكبة قاسية الأثر قد يطول أمدها ويصعب وصف فجاعتها، حينها فقط يحاسب ويحاكم من تجاوز الخطوط الحمراء..!!