عودة جديدة بعد عام مضى على المطالبة بعضوية دولة فلسطين في الأمم المتحدة، فاليوم يقف رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس أمام دول العالم مطالباً إياهم أن يعترفوا بحق فلسطين بالوجود، وأنها دولة يجب أن تنتهي معاناتها من احتلال ظالم يأكل منها كل يوم ما يحلو له ليُنهي أثر الوجود.
سيُقنع العالم بكلماته الواقعية التي ستصور حال الشعب الفلسطيني ومعاناته من ألفه إلى يائه، معاناة لن يحسن تصويرها وإيصالها للقلوب والعقول إلا كل من يتعايش تلك المعاناة اليومية على أرض فلسطين.
سيستمع العالم ويلقي أذانه مقتنعاً بحق فلسطين ومعترفا بوجوده داخل نفسه، ولعل بعض القلوب ستتألم مما سمعت من معاناة شديدة لنساء فلسطين وأطفالها وشبابها، وما وصل إليه حال الشعب الفلسطيني من طريق مسدود لا يجد فيه بصيص نور، وما يعيشه من حصار بالحرب الاقتصادية والمنع للقمة العيش الكريمة وتحقيق الحقوق الإنسانية التي أقرتها قوانين ومعاهدات الأمم المتحدة الإنسانية، وستتعدد فترات مقاطعة خطاب الرئيس ليُصفق العالم لكلماته، ولعل عدد مرات تصفيق الأيادي ستزيد هذه المرة عن سابقتها.
ولكن ماذا بعد هذا التصفيق؟!
هل ستُعلن دول العالم شجاعتها كي تعترف جميعها بحق دولة فلسطين في الوجود والانضمام إلى دول العالم، أم ستأخذ جانب الحياد والصمت والخوف من العقوبة الأمريكصهيونية من أي ملامح تظهرها تأيداً للقضية الفلسطينية، هل ستكتفي بالربت على الأكتاف وإبداء الحزن والتأيد القلبي لقضية فلسطين والأمنيات التي تتمنى وقوعها من السماء، أم ستقف بقوتها لتطالب بحق إنصاف المظلوم والمُعتدى عليه في وسط مؤسسة عالمية وجدت ونصت على ضرورة المحاربة والسعي لإعادة الحقوق لأصحابها المظلومين، أم ستقف إلى جانب دولة الصهاينة باعتبارها ضحية أيضاً ويُعتدي عليها من الوجود الفلسطيني وما على الفلسطينيين إلا محاربة إرهابهم وصد عدوانهم عن ذلك الكيان المظلوم حسب ما يظنون وتوفير الأمن لوجوده، هل سيتكرر نفس السيناريو لعام مضى، أم سيكون أكثر تعقيدا وسوءاً مما سبق، هل ستتوعد أمريكيا كل من يؤيد قرار عضوية فلسطين بالمقاطعة السياسة والاقتصادية، وهل ستُخرج إسرائيل سمها باتهامها لكل من يؤيد قرار العضوية لفلسطين أنه معادٍ للسامية ويجب محاربته، هل يجب أن نتأمل الكثير من جلسة الأمم المتحدة وأعضائها؟ أم النتيجة معروفة كما تعود عليها الشعب الفلسطيني أن لا تأييد لوجودهم حتى لو اعترف بحقهم في القلوب، هل الأمم المتحدة برئاستها وقيادتها ودول العالم في عضويتها كلها مسيرة بسياسة وقرارات أمريكي وضغط صهيوني لمصلحة هذا الكيان وليس لدولة فلسطين أي حساب في قرارات العالم.
كل ما يحلم به المواطن الفلسطيني أن يجد الصدق والعدالة من تلك المؤسسة الأممية اتجاه قضيته وحياته المهددة في البقاء منذ ستين عاما وأكثر، وأن تستيقظ ضمائر الأمم العالمية لتسمع صرخات أطفال فلسطين وهم يحاصرون بالجوع والخوف والقهر وبكاء الثكلى ونساء الشهداء والأسرى وقهر المُزارع الذي فقد أرضه ولم يعد يستطيع أن يحرثها ويفلحها وجدار ظالم أحاط بالوجود الفلسطيني أينما توجه ليمنع حركته وتنقله، وأسرى يقبعون بغير حق في سجون ظالمة ومبعدين هجروا قصرا من ديارهم دون جرم، وعدوان المستوطنين على كل ما هو فلسطيني، وانحصار الأرض الفلسطينية وضياعها بما يُزرع فيها من مستوطنات، وتهويد للقدس ومقدساتها وتهجير أهلها من بيوتهم، والعدوان على المقدسات وسرقتها وتحويلها لما يشاءون بهوية يهودية، وحرمان الشعب الفلسطيني من حق الحياة الكريمة بالسيطرة على لقمة العيش والأموال والمعابر والحواجز وفرض كل ما يؤدي لقهر الشعب الفلسطيني وقتل طاقته للمقاومة والبقاء والدفع لترحيله.
فهل ستستيقظ الضمائر الحية فعلاً هذه المرة وستقف وقفة رجل شجاع لتعلن عدالتها وإنصافها بصوت القوة للشعب الفلسطيني، أن يكفى ظلماً لهذا الشعب ولنعمل على إعادة حقه ومعاقبة الكيان الصهيوني الظالم، أم مجرد أمنية في الخيال؟!