هذه رؤية خاصة لإنسان مسلم لفهم المعضلة التي تواجه الإسلام والمسلمين سواء على المستوى الفردي، أو مستوى الحركات الإسلامية ذاتها، او مستوى الدول نفسها. ويبدو منذ البداية أن المعضلة مركبة، وثلاثية الأبعاد، وأن هذه العلاقة لا تلتقي عند دائرة مشتركة، بل إن حالة من النفور والتباعد تبدو واضحة بينها، وان هذا النفور والتباعد هو الذي يفسر لنا المعضلة التي يواجها الإسلام والمسلمون اليوم.
منذ البداية لا بد من التأكيد على بعض الملاحظات الهامة قبل سبر أغوار هذه العلاقة ووضع اليد على مظاهر هذا النفور.
أولا ان المعضلة او المشكلة هي في الداخل وليست في الخارج كما تصور، وهذا لا يعني نفي ان هناك تباينا أو حملة خارجية مقصودة لإستفزاز مشاعر المسلمين لدفعهم نحو تصرفات غير عقلانية لإثبات أن سلوك القوة قرين بالإسلام والمسلمين.
وثانيا ان سلوك القوة ليس رديفا لسلوك المسلم، وليس مطلبا إسلاميا، فلم يعد الإسلام الآن يقوم على القوة، بل أن أسلوب الهداية والإقناع والكلمة الحسنة والواعية هي الطريق والأسلوب الأمثل، وعليه فإن سلوك القوة يتعارض مع روح وجوهر الإسلام، لأن الإسلام دين دعوة وهداية وحياة وليس قوة، وعنف، وإرهاب. وعليه الدعوة الى القوة منبوذة ومرفوضة، وهذا لا يعني أن لا تتسلح الدول الإسلامية بعوامل القوة الشاملة حتى تحمى نفسها ودينها.
وثالثا، ان الإسلام ليس هو الدين الوحيد السماوي في العالم، وليس هو دين الأغلبية السكانية، وهذا التعدد يستوجب ان تكون هناك لغة للحوار والإنفتاح الديني، ومحاججة الديانات الأخرى بالعقل، وخصوصا أن الديانتين الرئيسيتين المسيحية واليهودية ديانتان سماويتان لا يمكن الغاءهما وإقصاءهما بالقوة، بل بالحوار والإقناع، والمحاججة الدينية السليمة التي تخاطب العقل في زمن تتحكم فيه العلوم والإقناع العقلي بعقول البشر وتفكيرهم.
ورابعا أن هناك مساحات ومجالات واسعة يمكن للإسلام أن ينتشر من خلالها ويكسب المؤمنين به، وهذا يعني ان حدود الإسلام في الدعوة السليمة والصحيحة لا تقف عند حدود زمانية أو مكانية.
وخامسا، لا شك ان الإسلام والدول الإسلامية بما فيها العربية وهي قلب العالم الإسلامي مستهدفة ليس فقط بسبب دينها، ولكن بسبب موقعها الجغرافي الذي يتوسط العالم، وبسبب مواردها الطبيعية وعناصر القوة التي تملكها، وخصوصا النفط والمال. وهذا الإستهداف يتطلب امتلاك عناصر القوة، وتفعيلها في خدمة المحافظة على الإسلام، والمحافظة على هوية الدول الإسلامية.
والملاحظة السادسة، وهي إقرار بالتنوع الإسلامي في التطبيق والنماذج، ففي عصر تحكمه تباين تجارب الدول الإسلامية وتنوع بيئاتها السياسية، وخصوصية كل حالة نجد نماذج مختلفة ومتنوعة للتطبيق، وهذا لا يعني تباين في تطبيق المرتكزات والمبادئ الرئيسة التي يقوم عليها الدين الإسلامي، ولكن في قدرة الإسلام والتجارب الإسلامية على التكيف والتوافق مع بيئة كل دولة، وهذا لا ينتقص من قدرة الإسلام، بقدر ما يعطيه قوة، وكما أشرنا أن هناك أكثر من ديانة، كذلك هناك ثقافات سياسية علمانية، ونظم حكم قائمة، وليس من صالح الإسلام أن نبرز أن هناك تناقضا أو تنافرا بين الإسلام كنظام حكم وبين ما هو قائم.. المطلوب في هذه الحالة ترجمة خصوصية كل حالة في أطار من التعايش والتوافق وليس النفور والأقصاء.
والملاحظة االسابعة، ان هذه الحرب الدينية التي نشهد بعض مظاهرها ليست في صالح الإسلام والمسلمين، بل انها قد تقود الى تراجع في قوة المسلمين ودينهم. وهذا يتطلب مراجعة في الخطاب الديني، والخطاب الدعوي، والإبتعاد عن كل الفتاوى الدينية التي تسيئ إلى الإسلام، وتصويره وكأنه دين قوة وعنف وقتل وتدمير، وإعادة تقنين فكرة الجهاد لتحمل معنى البناء والتنمية. فالكثير من هذه الفتاوى قد تحمل معنى النفور، والخوف من الدين الإسلامي، وقد تبعد الكثيرين عن اعتناقه.
أعود بعد ذلك إلى محاولة تفسير أبعاد العلاقة الثلاثية التي قد أشرنا إليها، وأولا وقبل كل شيء أننا نفتقر الى الإسلام القدوة، وهنا السؤال أين نحن من قدوة الرسول عليه الصلاة والسلام؟ وكيف كان حريصا على أن يقدم الإسلام الدين الجديد من خلال القدوة في سلوكه وتعامله مع الكل مسلمين وغير مسلمين، وانه كان عليه الصلاة والسلام يميل إلى أسلوب التحبيب والمرونة، والإبتعاد عن التشدد والتطرف، فهو حليم، رؤوف، كريم، خلوق، إنساني الرؤية، واقعي سياسيا، وغير عجول في نشر دينه، ومؤسس حقيقي للدولة. والسؤال ثانية: أين نحن من هذه القدوة على مستوى الفرد والحركة والدولة؟!
وقد تكون هذه القدوة اليوم أكثر إلحاحا بإنتشار الجاليات الإسلامية وتناميها في العديد من الدول الأوربية والأمريكية، ومطلوب من هذه الجاليات أن تقدم السلوك الإسلامي القدوة، لكن هذه الجاليات تجد اليوم نفسها في معضلة كبيرة بسبب ما تقوم به بعض الحركات الإسلامية من أعمال قوة تصل إلى حد العنف، والقيام ببعض العمليات الإنتحارية التي تضع هذه الجاليات في موقف الدفاع والتحصن في بيوتها حائرة خائفة، وهو ما يدفعها الى سلوك يدين هذه العمليات، وتأكيد تنصلها منها، وهكذا تنتقل هذه المعضلة الى الخارج حيث يعيش المسلمون بحثا عن عمل أو حرية، أو قوانين تحميهم من سطوة دولهم أو حركاتهم. والأخطر من ذلك أن مثل هذه العلميات الإنتحارية تدفع الدول المعنية إلى استصدار قوانين تضيق الهجرة والإقامة والعمل، وبعضها قد ذهب الى استصدار قوانين تسمح بالتجسس والتصنت على المسلمين، وخطورة هذه القوانين أنها قد تؤدي إلى نشر سلوك مجتمعي بين السكان من غير المسلمين يقوم على عدم التسامح مع المسلمين، وإلى إزدراء كل ما هو مسلم..!! والخاسر هنا هو الإسلام والمسليمن.
ولعل من مظاهر النفور هذه الحرب المعلنة بين هذه الحركات والدول الإسلامية القائمة بأنظمة الحكم فيها والتي تعتبرها هذه الحركات دولا كافرة، علمانية، وان تغييرها واستبدالها أمر شرعي، وانه لا مجال للتكيف والتوافق معها، حتى أن المشاركة في الإنتخابات هدفها الوصول الى السلطة فقط والى الأبد، ومن ثم العمل على اقتلاع هذه النظم ولو بالقوة العنيفة المبررة دينيا، وليس صعبا اصدار فتوى بإعتبارها أنظمة حكم فاسدة وكافرة، هذه من اهم المعضلات التي تواجه العلاقة بين هذه الحركات الساعية الى الحكم، والدول التي تقوم بحماية وجودها السياسي، بكل الوسائل القمعية، وهذا وبدلا من ان تقوم العلاقة على التلاقي المشترك، والبحث عن صيغ للتعايش والتسامح، وصولا الى النموذج الذي يجسد خصوصية الحالة السائدة، وليس العودة بها إلى مئات السنين البعيدة لنجد أنفسنا ندور في حلقة مفرغة من إهدار القدرات الذاتية وتآكلها في صراعات دموية غير مبررة لا دينيا ولا أخلاقيا، ولا سياسيا. والخاسر في هذه المعركة أيضا الإسلام والمسلمين، لأن هذا الصراع فيه قتل للنفس البشرية التى حرم الله قتلها، وفيه هدر للموارد والقوة التي منحها الله لهذه الدول، وهذه الشعوب لحماية والمحافظة على الإسلام.
وفي هذه المعركة ينحصر الصراع على الحكم والسلطة والسيطرة عليها، بدلا من التركيز على القيم السمحة التي جاء بها الدين، وكنتيجة لهذا الصراع تنمو التيارات المتشددة والمكفرة لغيرها، ويبدو الإسلام كله والمسلمون وكأنهم دعاة حرب وأرهاب.. وكل يدعى احتكاره للدين، والدين ابعد من ان يحتكر، لأنه ملك لكل المسلمين، وليس لحركة أو دولة، وإن تفاوتت المسؤولية.
وهكذا نجد أنفسنا بين دين دولة ودين حركة، وكل يسعى أن خلق دعاته، وتثبيت فتواه، والمواطن العادي حائر بين هذه فتوى، أو تلك، ومن شأن هذا الصراع ان يخلق حالة ضبابية وتصادمية في منظومة القيم التي جاء بها الإسلام موحدا وليس مشتتا.
ومما قد يزيد الأمور تعقيدا وصعوبة سهولة إمتلاك وسائل الإعلام في عصر تحكم الفضائيات، والنتيجة النهائية هي خلق حالة مشوشة لدى المسلمين، وحالة من الإرتباك الديني بسبب كثرة أصحاب الفتوى من كل الأعمار، وقد نختلف على أبسط الصور التي تصل الى حد أن نلبس عمة أم لا؟ أم نلبس جلابية قصيرة ام طويلة؟ ام أن نلبس أحدث ما وصلت اليه دور الأزياء من ملابس حتى نظهر فى عيون الآخرين وكأننا متقدمين، متطورين منفتحين ولسنا منغلقن. وتنتقل المعركة الى معركة داخلية، وكان الأجدر ان تتحول الى معركة حضارية عل مستوى الآخرين. والضحية فى هذه المعركة هو المواطن المسلم العادي الذي قد ينأى بنفسه عن شرور هذه المعركة، ويمارس دينه بخجل وحياء، حتى هذا السلوك الذى يمارسه قد يصل الى حد التشكيك من قبل جماعات معينة، لأن المعيار صار الإنتماء الى هذا التنظيم أو هذه الحركة أكثر من أي شيء آخر. وتدور هذه المعركة وسط عالم معقد ومتطور، ويسعى الى امتلاك القوة كلها بيده، نتصرف وكأننا نملك العالم كله، ويبقى أن نتساءل ماذا نريد من العمليات الإنتحارية التي يقوم بها أفراد قد اعمتهم بعض الفتاوى؟ وما هو الهدف من اللجوء الى أسلوب القوة والعنف؟ ومن المستفيد من الصراع والتضارب الداخلي الذي تشهده الدول الإسلامية؟ لدينا دين عظيم، ولدينا عقول إسلامية متقدمة، ولدينا قوة كبيرة، لكننا نفتقد الى الدولة والحركة والدعاة والأسلوب والخطاب التجديدي المتطور والمستوعب ان الإسلام لم ينزل لأمة واحدة، ولزمن واحد، وإذا أردنا ان ننجح وننتصر في حوار الديانات علينا أن نحرر انفسنا أولا، وأن نجد حلا لخطابنا الديني والسياسي ـ وأن نبحث عن الحلقة المشتركة بين الفرد والحركة والدولة، والحلقة المشتركة هي في فهمنا الصحيح للدين.