سوريا الحضارة والتاريخ والخلافة والعروبة تنزف دما منذ اكثر من 18 شهرا، سقط خلالها الاف الضحايا ودمرت مدن وقرى وعطلت المدارس والجامعات في العديد من المحافظات ونزح منها عشرات الالاف من الأسر والأفراد وخاصة في شمالها وجنوبها والقليل في شرقها وغربها.
ومن المفيد وقبل الخوض في ما تتعرض له سوريا أن نؤكد على المواقف التالية حتى لا يساء فهم مضمون المقال والغاية منه.
فأولا الحديث هنا عن سوريا الأرض والشعب الواحد وليس عن نظام الحكم والرئيس، وما يهمنا هو وحدة سوريا وبقائها دولة موحدة قوية وليس بقاء الرئيس أو رحيله. فالشعوب هي الباقية دائما وكل الحكام زائلون وراحلون.
وثانيا من المؤكد بأن الرئيس بشار سيكون آخر "علوي" سيحكم بلاد الشام (سوريا) سواء تم ذلك بالقوة أو عبر انتخابات حرة وبالتالي فإن توريث الحكم في الأنظمة الجمهورية لم يعد مقبولا ولا مستساغا ومن غير الممكن العمل به وتعميمه، فقد سقط في ليبيا واليمن ومصر في الضربة القاضية وبدوره فهو على وشك إسدال الستارة عنه في سوريا إلى الابد.
وثالثا أن ما يجري في سوريا حاليا من تدمير ممنهج للمدن والاقتصاد وللتراث ليس الهدف منه اسقاط الرئيس بشار وإنما لتجزئة سوريا وإضعافها وتقسيمها إلى أربع كانتونات رئيسية هي: السنة والدروز والعلويين والأكراد مع وضع خاص للمسيحيين ضمن تركيبة (توليفة) معينة كما حصل في العراق وليبيا والسودان وجاري تطبيقها في اليمن بين الشمال والجنوب والحبل ما زال على الجرار.
ورابعا أن معالم ما يجري فيما أصطلح على تسميته زورا وبهتانا "بالربيع العربي" ما هو في الحقيقة سوى "سايكس بيكو جديد" بدأت ترسم معالمه منذ قيام حلف الأطلسي بغزو افغانستان والعراق وها هو يتم تعميده حاليا بالدم والمال العربي. وفي الحقيقة فهو ليس أكثر من "الفوضى الخناقة" كما وصفها الطيب عبد الرحيم في مقابلة مع جريدة "اللواء" اللبنانية وأعادت نشرها جريدة "القدس" المقدسية قبل نحو أسبوع.
وخامسا، أن عددا من الدول العربية والإسلامية تشارك عن وعي أو بدونه في تقسيم الوطن العربي وتثبيت وتكريس سايكس بيكو الجديد ميدانيا على الأرض.
وسادسا أن الإسلام السياسي وفي المقدمة منه حركة الإخوان المسلمين يدرك (تدرك) أبعاد المخطط الغربي ويتعامل (تتعامل) معه بدون خجل أو تردد ويبرر (تبرر) له أفعاله بل وتصدر الفتاوى لتدمير سوريا وليبيا واليمن والسودان وقتل الحكام على ذمة ومسئولية الشيخ القرضاوي الذي يطالب الشعب بالخروج عليهم وعدم اطاعتهم بينما يقف مغلقا فاه لا يحرك ساكنا أو يتخذ مواقف مماثلة من بقية الأنظمة والحكام لإغراض في نفس يعقوب.
تلك هي الثوابت أو المواقف التي كان لا بد من الإشارة إليها قبل ولوج صلب الموضوع.
شواهد التدمير وليس اسقاط الرئيس..
هناك من الشواهد والإثباتات الكثيرة التي تدلل على الرغبة الموضوعة مسبقا لتدمير سوريا وتجزئتها وتقسيمها وليس إسقاط الرئيس بشار، رغم ان النظام السوري حاله كحال كل الأنظمة العربية التي تتميز بالدكتاتورية وحكم الفرد والفساد وتخلو تماما من الديمقراطية وحقوق الإنسان.
1- في البداية وبغض النظر عن النوايا فقد أصدر الرئيس بشار الأسد عدة قرارات للبدء بالإصلاحات وتم تعديل الدستور وحذف مواد عديدة منه لتواكب العصرنة (الحداثة) وتحديد موعد للانتخابات التشريعية والرئاسية كان من المفترض ان تجري قبل نهاية العام الجاري، فلو كان المحتجون يريدون حقا إسقاط الرئيس بشار لكان عليهم ان ينتظروا عاما أخرا على أكثر تقدير ويفعلوا ذلك عبر صناديق الاقتراع والتي ستكون مراقبة من خلال المنظمات والهيئات الدولية المتخصصة في هكذا أمور كما حصل في مصر وليبيا والسودان وتونس واليمن مع التحفظ على بعض التفاصيل الفنية والإدارية.
2-لقد أدار المحتجون السوريون ظهورهم بالإضافة إلى عقولهم التي زاغت ببريق الدولارات وقلوبهم التي انتزع منها حب الوطن والحفاظ عليه، لكل المبادرات التي قدمت سواء من الجامعة العربية أو الامم المتحدة او من بعض الدول العربية والإسلامية وكانت تصرح قبل ان تجلس وتستمع للمقترحات إلى عبث المفاوضات بدون اسقاط الرئيس بشار ورحيله، وكان قادة المحتجون وعبر الفضائيات يعلنون رفضهم لكل اقتراح يقوم على التسوية حتى ولو كان على الطريقة اليمنية أو لوضع جداول زمنية للتسوية بضمانات دولية.
3- ولو كان المحتجون يريدون فعلا اسقاط الرئيس بشار لما تسلحوا بهذا الكم الهائل من العتاد والتجهيزات حيث بدأوا بالتسلح الواسع والضغط على قطاعات من السكان للجوء الى دول الجوار. لقد بدأ المحتجون باستخدام السلاح على نطاق واسع والهجوم على معسكرات الجيش والمطارات والمقرات بدون مبرر في البداية.
4- ولو كان المحتجون يريدون اسقاط الرئيس بشار كما يدعون، لما قاموا بقتل عالم الصواريخ السورية مع عائلته في باب توما فما ذنب هذا الخبير وما هي علاقته بإسقاط الرئيس بشار. ليس هذا فحسب بل ما علاقة التفجيرات الانتحارية في الاسواق والتجمعات التجارية والسكانية والفنادق وحتى الوزارات والمؤسسات الحكومية والمدارس والجامعات بإسقاط الرئيس بشار أيضا.
5- فالذي لديه قدرة ومهارة على التسلل إلى أهم وأبرز المقرات الأمنية وقتل ابن خاله ووزير دفاعه وقادة اخرين، اليس بمقدوره التسلل إلى القصر الجمهوري وقتل الرئيس بشار سواء بعملية انتحارية او باقتحام مباشر. والذي لديه خبرات وكفاءات بتهريب الاسلحة وإدخالها إلى العاصمة عبر الحدود والجبال والوديان أليس من السهل عليه إدخالها إلى القصر الجمهوري وقتله ايضا. فالذي يريد اسقاط الرئيس بشار عنوانه موجود وإقامته معروفة فلماذا كل هذا التخريب والتدمير للمنشآت الاقتصادية والأمنية والمدنية ولماذا الاصرار على رفض التفاوض وعقد التسويات.
6- والذي يريد اسقاط الرئيس بشار لماذا يعقد تحالفات مع حلف شمال الأطلسي (الناتو) ويتعاون مع المخابرات الغربية كلها (الاميركية والبريطانية والفرنسية والتركية) ويزودهم بكل ما وقع على يديه من معلومات تخص الجيش السوري والتي تصل تلقائيا إلى إسرائيل.
7- والذي يريد إسقاط الرئيس بشار لماذا يصر على الحصول على التمويل من دول حلف الناتو بالذات ويتدرب لديهم على كيفية التدمير الممنهج للوطن ولماذا يقيم قادة المحتجين في تركيا وفرنسا وبريطانيا والمانيا ألا يحق لنا ان نسأل هؤلاء لماذا يفعلون ذلك؟
8- ولو كان المحتجون يريدون اسقاط الرئيس بشار فلماذا يختبئون ويقيمون في الخارج ويتركوا شعبهم يعاني الامرين من القتل والتهجير والحرمان وعدم الاستقرار بينما هم مرتاحون مع عائلاتهم في فللهم وشققهم وقصورهم في الغرب.
9- منذ متى تدعم قطر وغيرها من دول الخليج الثوار..!! أليس غريبا ان تتدفق المعونات المالية والسيارات الحديثة من بعض دول الخليج التي تحتكر عائلاتها السلطة منذ عقود طويلة بدون انتخابات أو احترام لحقوق الانسان أو ممارسة الديمقراطية. ففاقد الشيء لا يعطيه، فكيف يفسر المحتجون علاقاتهم بهذه الدول تحديدا. أو ليس غريبا أيضا ان تخصص بعض القنوات كالجزيرة والعربية أكثر من 50% من برامجها للتحريض ضد سوريا متجاهلة تماما الاحتلال الإسرائيلي بما فيها الإساءة للرسول العظيم محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين. فلم نسمع من قادة المحتجين تصريحا مباشرا او غير مباشر يدين القائمين على الفيلم المسيء للرسول، فهل هذا هو الثمن الذي على المحتجين دفعه ،سؤال يحتاج إلى توضيح.
10- فلو كان المحتجون يريدون اسقاط بشار فلماذا يستقبلون رعاع المدن والانكشاريين والمرتزقة ويدخلوهم إلى وطنهم ليعيثوا به فسادا وقتلا وتدميرا.
اعتقد بأنه يمكن الاكتفاء بهذه الامثلة دون التطرق لما ذكره وأكده محمد حسنين هيكل وروبرت فيسك وجورج غلوي والصحافة الغربية بان ما يجري ليس أكثر من "سايكس بيكو جديد" لتقسيم المنطقة وثرواتها بين دول حلف شمال الأطلسي وبالذات الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وفرنسا وايطاليا والمانيا وفي الذيل من القائمة تركيا.
الموقف المأمول..
بغض النظر عن اية تغيير محتمل في الاوضاع السورية في قادم الشهور، فإن المطلوب عربيا وإسلاميا هو الحؤول دون تقسم سوريا وتجزئتها وتسليم مقدراتها لبعض دول حلف الناتو لإخراجها من الصراع كما خرجت العراق وقيدت حركة مصر في المشرق العربي. الخاسر الأكبر من تدمير وتجزئة سوريا وإضعاف جيشها هي فلسطين تماما كما كانت هي الخاسر الأكبر بخروج مصر والعراق من الصراع. وحينما تنعق الأصوات المحتجة معلنة سقوط سوريا – لا سمح الله - فإن فلسطين والقدس ستطوى صفحتهما لعقود طويلة قادمة مما سيسمح للاحتلال بالاستمرار في البقاء في هذه الأرض المقدسة وتهويدها وستطوى إسرائيل صفحة التسوية نهائيا بل وستعمل على تهجير نسبة لا بأس بها من الفلسطينيين إلى الخارج وربما إلى غزة وسيناء لعدم وجود قوة قادرة على ردعها. فالإسلام السياسي لن يعكر صفو احتكاره للسلطة فهو قد سقط في أول امتحان له بسكوته عما فعلته عناصر أميركية قبطية متصهينة من إساءة للرسول العظيم وبرروا بل وبرأوا الولايات المتحدة من مسؤوليتها إزاء ما حدث من إساءة للنبي محمد وزوجاته.
كان ينبغي لنا ان ندرك منذ غزو افغانستان والعراق بان اسقاط الدول العربية واحدة تلو الاخرى ليست اكثر من وقت. فسقوط سوريا الآن بيد اعداء الأمة العربية والإسلامية سيمكنهم من إعلان وإشهار سايكس بيكو الجديد وساعة ذاك لن ينفع اللطم والعويل والندم مثلما لم ينفع المعتمد بن العباد حينما غادر الاندلس مذلولا مدحورا أخر مرة بعد سقوطها عام 1492.
الدول العربية وفي المقدمة منها فلسطين عليها أن تتحرك لوقف نزيف الدم والعمل ما أمكن على بقاء سوريا موحدة بجيشها واقتصادها وشعبها وتاريخها وحضارتها. وعلى الدول العربية التي تقف موقفا سلبيا مما يجري لسوريا وتدعم المتمردين ان تعلم وتدرك بأنها سوف تتأثر ببنود سايكس بيكو الجديدة وان جزءا من أراضيها سيتم سحبها منها وتقسيمها هي الأخرى. فالشماتة بسوريا والتآمر عليها والتعاون مع حلف الاطلسي لن يحمي أي دولة عربية من ان تقسم وتجزأ ويستبدل حكامها.
وأخيرا على الاحزاب التي تدعي التقدمية والوطنية واليسارية أن تعلم وتدرك بان سلبيتها التي تتخذها حاليا إزاء ما يجري ويحصل في سوريا ستدفع ثمنه غاليا جدا. وقريب الايام سيظهر ويثبت ذلك.