تُخضع الصهيونية معتنقيها لسردية حصرية محكمة الإغلاق، لايمكن الخروج عليها، عصية على النقد والتفنيد كنص مقدس، وهي لاتكتفي بادعاء احتكار (الحقيقة) أو بالأصح اختراع حقيقة خاصة بها، بل تذهب نحو ممارسة أقسى درجات العنف الفكري بل والجسدي ضد الخارجين عليها والمشككين بها.
وقد يكون هذا مفهوما لو كانت مجرد جماعة دينية أو فريق أيدلوجي فهذا حال الأصوليات على كل حال، إلا أنها – الصهيونية- تسقط سرديتها بذات العنف على جميع من تدعي أنها تنطق باسمهم، فتحتكر الصوت اليهودي بمجمله، فجوهر الحصرية في السردية الصهيونية هو شمولها جميع اليهود وبالتالي تقسيم العالم إلى يهود و(غوييم).
ترتكز الحصرية الصهيونية على فكرة الدمج القسري فيصبح اليهودي العادي مقسورا على أن يكون صهيونياً بغض النظر عن إرادته الحرة، وفكرة التقسيم القسري للعالم تنطوي في الجوهر على اهانة للطرفين، وخصوصا الطرف اليهودي الذي تصادر الصهيونية صوته وتخضعه لسرديتها وتطلب منه الانصياع لها بالكامل وإلا سيخرج من جنتها ويصبح أشد خطرا –في أحيان متعددة- من الآخر (الغوي) لأنه يصبح عدوا داخليا، خائناً، خرج من الجماعة وتمرد على قوانينها وطعنها قي قلبها من حيث لاتريد أن تتوقع.
وهذا المصير، (التصنيف كخائن) تذوقه عديد من اليهود الذين اختاروا التمرد على السياق الصهيوني الحصري ومغادرة أقلويتهم والانحياز إلى أفق إنساني أكثر رحابة وأكثر انسجاما مع ضمائرهم. يصبحون ليس مجرد (معادين للسامية) كما هو حال الغوييم الطبيعيين، الناقدين للصهيونية ومسالكها الشائنة، بل أكثر من ذلك (خونة) بالمعنى الحرفي للكلمة، مع ما يجره ذلك عليهم من ويلات لفظية ومادية في نماذج عديدة.
النشطاء اليهود الجديون الرافضون للصهيونية لم يكن بإمكانهم أبدا التماثل مع الصهيونية ورفضوا دائما تعريف هوياتهم بموجبها، وإذا كان بإمكان المرء أن يقاوم فقط بتعبيرات الهوية التي تتعرض للهجوم، كما ترى حنة أرندت، فإن أي ناقد حقيقي للصهيونية كان عليه الاختيار بين روايتها والرواية الفلسطينية، فلكي يدافع عن الفلسطينيين كان عليه تذويت سرديتهم في مواجهة السردية الأخرى المقسر على اعتناقها، غير ذلك يصبح ناقدا للصهيونية من داخلها، ويبقى يعرف ذاته بموجب معاييرها ولايستطيع أبدا تجاوز أقواس التحديد التي تضعها لمعتنقيها ولا يخطو الخطوة اللازمة التي تفصل بين صهيوني ناقد بغرض الإصلاح للصهيونية وبين نقضها ورفضها والمثابرة على دحض مزاعمها والتمترس في الخندق المواجه لها.
الذين يفعلون ذلك ويمتلكون الجرأة ليسوا قلة ولكنهم ليسوا كثرة للأسف أيضاً، وجوديث بتلر ليست الأولى في هذا السياق ولن تكون الأخيرة، سبقها كثيرون رفضوا الصهيونية ورفضوا أن تكون سمسار دمهم، كما عراها محمود درويش، تتداعى إلى الذاكرة أسماء كبيرة من ايهود أديب إلى إسرائيل شامير ونورمان فنكلشتاين ونعوم تشومسكي وليا تسيمل وميخائيل وارشوفسكي موشيه فريدمان وآخرون كثر، غير الحركات الناشطة التي تجمع في صفوفها أناسا عاديين من يهود لايريدون أن يكونوا صهاينة ولا يريدون أن يكونوا أعداء للفلسطينيين.
في هذا السياق يصبح متوقعا الهجوم الشرير الذي شنته أصوات صهيونية –اسرائيلية ضد الفيلسوفة اليهودية العالمية جوديث بتلر التي كان بإمكانها الاحتفاظ بيهوديتها دون أن تقبل أن تكون صهيونية.
الهجوم على بتلر تجاوز انجازاتها العلمية الهامة في البلاغة والفلسفة والاجتماع، ووقف عند مواقفها السياسية الأخلاقية من الفلسطينيين وقضيتهم باعتبارها قضية عدل وحق، وهذا هو حال العقل القسري الانتقائي، وهي صاحبة الانجاز المميز في الفلسفة اليهودية واستكشاف ونقد الصهيونية، ماقبل الصهيونية في الفكر اليهودي، وما بعد الصهيونية، كاشفة عن الدولة الصهيونية داعية لمقاطعتها وفرض عقوبات عليها، حتى قبل نشوء حركة المقاطعة.
بفهم تاريخها في تأييد الشعب الفلسطيني ومعاداة إسرائيل يصبح مفهوما الموقف الصهيوني عقب إعلان فوزها بجائزة ثيودور أدورنو مؤخراً.
يهودية فازت بجائزة على اسم يهودي ألماني، لم يهاجر إلى دولة الصهيونية وبقي مخلصا لمبادئ الضمير والعقل، فثار ضدها المجلس اليهودي في فرانكفورت وأوساط الأكاديميا الألمانية المتصهينة فأصبحت العالمة المرموقة على صعيد عالمي مجرد فاسدة أخلاقيا لانتقادها إسرائيل ورفضها التعاون معها. واتهمت بالـ (لاسامية) وكان ردها بسيطا نفذ إلى قلب السردية الصهيونية: (لن يتم مساواة اليهود بالصهاينة أو اليهودية بالصهيونية)، وهي بذلك مع أمثالها الكثر فتحت بابا لايمكن إغلاقه أمام اليهود بأنهم ليسوا محكومين بالصهيونية وليسوا مضطرين لاعتناقها.
الصهيونية لاتحاول احتكار اليهود فحسب بل تحتكر معاناتهم وهذا طبيعي كون إحدى ركائز الصهيونية هي الاستفادة والركوب على آلام اليهود وفجائعهم، كما هو احتكار الهولوكوست وتنصيب الصهاينة أنفسهم ورثة شرعيين للضحايا المعروفين والمجهولين، يصبح موقف هؤلاء الضحايا بالنسبة للصهيونية غير ذي صلة، وحسب جيروساليم بوست "إن شخصا مثلها –جوديث باتلر- لايستحق أن يحصل على جائزة ثيودور أدورنو اليهودي الذي عانى اضطهاد النازية واضطر للهرب من ألمانيا إلى الولايات المتحدة"، الصهيونية فعلا (سمسار دم اليهود) فإذا كان الصوت الصهيوني يتوسل معاناة ثيودور أدورنو في المعتقلات النازية، فالذي لايمكن نكرانه أن الصهاينة أنفسهم هاجموا ونددوا وهددوا شخصا مثل نورمان فنكلشتاين سليل الناجين من المحرقة أيضا وسمسروا على دماء ومعاناة أهله وهذا بالضبط وهذا جوهر ادعاء باتلر بأن الصهيونية لاتمثل كل اليهود.
ألم يقل موشيه فريدمان الحاخام اليهودي النمسوي الشاب بدوره "الصهيونية كحركة وأفكار وتصرفات لا تربطها إي صلة بالديانة اليهودية الحقيقية" وأضاف "الصهيونية تشكل في نهاية المطاف كارثة على اليهود"، وكذلك سبقه بعقود برومو ليفي الناجي من المحرقة "إن كل واحد هو يهودي للآخر والفلسطينيين اليوم هم يهود الإسرائيليين" وذهب أبعد حين قال "إن الناجين من المحرقة لايمكنهم قبول إسرائيل".
في كتابه المعنون "في إسرائيل وفلسطين: ما يخرج من الرماد" يجادل مارك ايليس الذي يرأس مركز أبحاث الدراسات اليهودية الأمريكية في جامعة بايلور-واكو-تكساس أن اليهود ممزقين بين قطبين "اهتمام اليهودية التقليدي بالأخلاقيات والدولة اليهودية التي تلحق الإهانة بهذه المفاهيم نفسها وبينما لم ينجح النازي أبداً في تدمير (الجوهر اللصيق بما يعني أن تكون يهودياً) فقد حققت إسرائيل ذلك –على مستوى أصيل- من خلال اعتداءاتها التي لا تكل على حقوق الفلسطينيين".
الصهيونية لاتكل ولاتمل، وهي كمنظومة فكرية أخلاقية شمولية ومغلقة، ستواصل حربها على كل من تعتبرهم أعداءها، وهي ترسل رسالة كل يوم إلى كل ضحاياها أن عليكم أن تتحدوا، وهي تقول أن لا خلاص منها إلا بتدميرها، ولا شك بأن أشخاصا مثل باتلر يعطون دفعا قويا ومساندة حقيقية للفلسطينيين الذين يرفضون مساواة اليهود بالصهيونية، ربما يحين الوقت يوما ما لاتحاد الضحايا، واليهود بتماثلهم مع هوية الفلسطينيين كضحايا أساسيين للصهيونية، سيكونون قادرين على استعادة هويتهم المغتصبة من قبل الصهيونية، بدون ذلك سيبقى هؤلاء الضحايا يواجهونها منعزلين ومعزولين عن بعضهم البعض، وكما هي الحقيقة التي يضج بها تاريخ الحقيقة، إن الحل الوحيد ليس للفلسطينيين فقط بل لليهود أيضا هو تفكيك الصهيونية وتدميرها ودحضها إلى الأبد.