شكل لي كما للآخرين الحديث الذي أجراه الزميل عبد العزيز نوفل ببرنامجه الإذاعي حديث الوطن مع رئيس اتحاد صناعة الجلود طارق أبو الفيلات والذي نعى فيه صناعة الجلديات الفلسطينية بسبب ما أسماه طوفان الجلديات المستوردة صدمة كبيرة وذلك لما كانت تتميز فيه فلسطين بهذه الصناعة وخاصة مدينة الخليل.
لقد اطلعت قبل سنوات على هذه الصناعة في المدينة وكيف أنها كانت في ذلك الوقت مزدهرة وتزدحم فيها ورشات الدباغة وصناعة الأحذية التي تقام في بيوت البلدة القديمة وفي بعض الضواحي، وأن الكندرجية والسكافية وصغار الصناع يعود لهم الفضل في تطوير هذه الصناعة حيث بعثوا أبناءهم إلى إيطاليا وعواصم أوروبية أخرى ليتعلموا أسسها بما فيها تصميم الموديلات الحديثة للأحذية وغيرها وأن هؤلاء الأبناء قد أدوا الرسالة على أكمل وجه مما جعل بعض الدول الأوروبية ومؤسسات عالمية تقدم الدعم لهذه الورشات التي أخذت أيضا تستحوذ على بيوت كبيرة قديمة وأخرى جديدة كي تستوعب الآلات الحديثة والمستوردة وضخامة إنتاجها. وقد بلغ تطور هذه الصناعة أن أكثر من صاحب ورشة أخبرني بأن الأحذية الأنيقة والمتعددة الموديلات التي تنتشر في واجهات محلات الأحذية الكبيرة في تل أبيب والمدن الأخرى هي في الأساس منتوج الورشات الفلسطينية وإن وضعت عليها علامات تشير إلى أنها صناعة إسرائيلية، علما بأن هذه الواجهات كانت تحوي أحذية للرجال وأخرى للنساء والأطفال وحتى الرياضية منها. وفي شكواه أشار رئيس اتحاد صناعة الجلود الفلسطينية إلى أن هناك ألف منشأة قد أغلقت ودخل 40 ألف عامل في هذه الصناعة إلى طابور العاملين العاطلين عن العمل.
والعجيب أن ذلك يأتي في الوقت الذي تشهد فيه مدينة الخليل اهتماما خاصا من قبل رئيس الوزراء الدكتور سلام فياض حيث تطالعنا شاشات التلفزيون على زيارات متعددة له للاطلاع على مشاريع المدينة الاقتصادية وأوضاعها في ظل الاحتلال واعتداءات المستوطنين وخاصة على البلدة القديمة وكذلك على مشاريع المياه المستحدثة وفي عهد رئيس بلديتها الناشط الذي يشرف ورجال أعمال على مشاريع متعددة حديثة ونقل مشكلة المدينة مع الاحتلال والاستيطان إلى الإعلام العالمي بمطالبته بإدراج البلدة القديمة على لائحة التراث العالمي لحمايتها واستقباله للزائرين الاجانب المتعددي الاهتمامات وخاصه المتضامنيين الدوليين.
لا يكفي أن يقول عبد الحفيظ نوفل وكيل وزارة الاقتصاد الوطني أن المشكلة تكمن في أنه لا توجد لدى السلطة الفلسطينية والوزاره سيطرة على المعابر لمراقبة المنتوجات المستوردة معترفا في الوقت ذاته بانحدار الصناعات المحلية. وفي الحقيقة أن مشكلة حماية المنتوج الوطني مسألة معقدة وتحتاج إلى تضافر كافة الجهود كما أن هذه المسؤولية تقع أيضا على عاتق المواطن والتاجر بنفس القدر من أجل حماية إنتاجه الوطني والتعامل معه، وبقدر ما توجد هناك جهود من أجل منع وصول بضائع المستوطنات إلى الضفة الغربية فإنه بهذا القدر لا بد أن تبذل جهود من أجل حماية المنتوج الوطني.
الأمر الآخر الذي لفت انتباه الكثيرين خلال اليومين الماضيين في مدينة الخليل هو ما أبداه القنصل البريطاني العام بالقدس ريتشارد مكنيس من إعجاب بتطور البناء والعمارة في المدينه أثناء زيارته لرئيس البلدية خالد العسيلي الذي أطلعه على واقعها وخاصة البلدة القيمة والمشاريع الاقتصادية الجديدة التي تقام فيها.
ولا بد هنا من التأكيد أن المواطن في الخليل وسائر الأراضي الفلسطينية له اليد الفاعلة في عملية التطوير هذه. وكنت قد قمت بزيارة البلدة القديمة قبل سنوات ضمن وفد أجنبي وصل إليها للاطلاع على واقع المواطنين فيها بدعوة من بيت الشرق، وتعرض الوفد للاعتداء من قبل عدد من المستوطنين وكان يرافق هذا الوفد رئيس بلديتها السابق مصطفى عبد النبي النتشه الذي قال عن انتشار البناء في الجبال المحيطة بالبلدة القديمة وكنا نقف حينها على تلة أبو سنينة أنه بسبب الظروف الاقتصادية فإن المواطنين يقومون في هذه الأوقات بالبناء كذخيرة لمستقبل أبنائهم وإمكانية الاستثمار فيه وهذا شكل لدينا كبلدية مشكلة في تزويد هذه المباني بالخدمات كالماء والكهرباء والصرف الصحي.. وواصل حديثة بالقول أن المواطنين بهذا البناء قصدوا أيضا إلى أبعد من ذلك هو عدم وصول المستوطنين إلى هذه الأراضي والاستيلاء عليها.
يشار هنا أنه في الآونة الأخيرة يوجد إصرار فلسطيني للحفاظ على البلدة القديمة بصفة خاصة حيث أقيمت منشآت حكومية ويتم تشجيع أصحاب المحلات المغلقة على إعادة فتحها كما أن هناك حركة من قبل شبان المدينة شبه متواصلة للدفاع عنها ودعم أهلها حتى لا يتمكن المستوطنون من الاستيلاء عليها في ظل هجمة مستعرة على الأراضي الفلسطينية في كل مكان على امتداد الخارطة الفلسطينية في عهد هذه الحكومة الاسرائيلية العنصرية وأن هؤلاء الشبان والبلدية وكافة المؤسسات الرسميه تعمل على إعادة فتح محلات شارع الشهداء الذي كان يعتبر المركز الاقتصادي والتجاري الرئيس لمدينة الخليل وأنه بالرغم من اتفاق الخليل فإن المستوطنين يسيطرون على هذا الشارع ويمنعون السيارات من دخوله وحتى المواطنين الذين يسعون للوصل إلى بيوتهم مع الاشاره هنا أن السياسة الخاصة التي اقرها الراحل عرفات لدعم البلده القديمة واهلها لا زالت مستمرة ومتواصلة.