دبقُ الكأس على الأصابع، والسخونةُ تهمُّ بالتلاشي، والظمأُ عتيق.
ولا رعد فوق الخبب، يترنّح بجذعه، ليُنادي الكامن وراء دغل البلح، لأنه الغزال يتحسّس الموقدة المندلعة بشعاب الضوء، وخياله الجامح يجتاح صدره بالنار.
أيّ موجة حارقة تلك المنداحة على السُكّر المغرور الأشقر..! وعمّتنا النخلة تكدّ جدائلها اليابسة، ليسقط عن ألواحها الحبّ الناشف المذرور؟
وما للطير بحيادية الصخر، يلفّه الكسل، والقهوة تسيل عن الحواف بإغراء النعاس؟
ليس للبلّور المجعّد في هذا المدّ البعيد من صوت آخر، سوى ما تدفعه الأعماق إلى البيوت المُرهقة العطشى، وللشبكة المقطّعة التي تنوء بمخلوقات الليل المتغضّنة.
أيها المتفّرد، المُعاكس للمشهد المتشقّق، العميق الواسع الشهيّ المخيف !ستفقد ملوحتك الثقيلة إنْ وضعت البروق قفير أخمصها في صفحتك.
سترتبكُ أيها المتشاوف الغامض الساحر الموّار، وستجفلُ حمولتك الرخوة وتضطرب، وستكتشف فحولتك العكرة، وسنكون اثنين أمام الصحراء، نغنّي، فلا صدى سوى ما يتهيّأ للواحة من صّبا، ينسرب إلى المتيقّظ، ليطبق رمشية على رذاذ الهدوء.
***
مالي وهذه الصورة القديمة؟ كأنني لستُ البدويّ على راحلة الأيام الممتدة، من زمن الوبر إلى عصر الأقفاص الحجرية الناتئة. وألفّ حولي، فلا أجد في الوجه المتناسخ سوى سحنة مركّبة من ضدّين، ولا آتساق في الملامح إلاّ مايتماهى من قُبْح وشناعة، مبطّنة بفولاذ معقّد، وصلت غرابته اللسان والألوان والخطوات.
أيها الغُراب الذي فقد مشيته الراسخة على ترابه الأصل..! حان هامش السواد الجشع، الذي تحرسه شهوات النقيض، وأحالته إلى مذابح لكل خلايا الحياة، ليعيدك إلى ناووس العجز، واللهاث وراء الصغائر، وأسئلة الذات المبهمة .
وياليتني ذالك الفارس الذي أنصف الخيول، وشرب من أعرافها عسل الكرامة والعدل، لكنني الموزّع في الملايين التائهة، المفرومة باستراتيجيات البرامج، ورغبات الكارتيلّات، وأطماع المؤسسات الغريبة، واستحقاقات تثبيت النير على الأكتاف، بعد أن صار المواطن المسرنم بلا رأس، أو يقع تحت اشتراطات الإقليم المبهظة، التي تنازع الطفل دفتره، والرضيع حليبه، والمرأة شالها المسروق.
ومافتئت داحس تدقّ حافرها الشيطاني، على عتبات القرى والحواضر، وتجنّح بزعيقها المصنوع الشائخ الكريه، وقد تداخلت رماحنا المستوردة في نحورنا، وسال دم الطير على أقدام الطريق الموحل.
إن الحالة أكثر عمقاً وتعقيداً مما كنا نظنّ..! وإنّ الدائرة المُطبقة أكثر شراسة مما نعتقد..! وإنّ الأيدي التي تعيد تركيبنا مُرابية إلى حدّ الحريق والإلغاء.
فلا يغترّ راءٍ بأي معلّقة مهما سطعت وأشرقت، ولا يرددّ فمٌ أيَّ نشيد، قبل أن يسبر غور المؤلّف والملحّن والبادئ بالغناء. إن هذا لا يعني تبريراً للمذابح..! فلا مرافعة تجيز كل هذا السفْح والسفْك والمجازر، التي تترى كل رمشة عين، أو وجيبٍ أثقله الدم.
وإن المتسيّد، الغارب أو المشطوب، ليس ابن إله مصفّى، بل لعنة مكثفة، أو أخطبوط مجنون، أخرج الجغرافيا ومافيها وراء الزمان والمكان، وترك الناس على حبل المشنقة يتلمّظون بحامضه، على جوعٍ وجهل ومذلّة ومرض وانكسار. وهو ذريعة الخراب لأنه الحاكم بأمر أسياده، وهو الذي دعاهم الى وليمة المقدّرات، وكانت أمّه الذبيحة الطازجة.
ولا خلاصة نهائية، نعصرها في فنجان، لنبلغ الحقيقة أو الحكمة، بقدر ما نقصد ضرورة التمعّن الهادئ الحصيف، في المعروض من الحقوق والأعراض والأوردة المفتوحة، أو في الرصاص الساديّ الغليظ، الذي يفتت الشظايا المتبقية تحت أقدام المحتفل الآفل، وكان يتهدّل على القطع المجزّأة، مثل سالومي الراقصة حول رأس النبي المقطوع.
***
وبالفعل، عندما يعود المحارب من المعركة، يذهب لمقاتلة نفسه، لأن "الأعداء" كانوا يشغلونه عن غيره الجوّاني والخارجي، لكن الغرابة في أن المحاربين الأشقاء يتنازعون الغنائم قبل عدّها أو حتى امتلاكها تماماً، مايعني أن الأذْرع البعيدة هي التي تهندس الحرب، أو تؤسس لرؤية مُريبة، أو أننا لم نخرج بعدُ من مرحلة تعريف الذات، أو تحديد الهدف، أو أننا مهزومون لم نبلغ أهدافنا، أو نقاتل لأننا نبحث عن الخلاص الشخصي.
ولا طهارة في كل ذلك، غير ما تسكبه الأمّ من دمعٍ برئ على ولديْها وهما يتجالدان على طراوة الجثث المتراكمة، في ادّعائهما للوصول إلى أفعى العرْش المجرمة.
***
وأعودُ من فجيعة الخلْق، إلى حسرةٍ، في كل ما تقع عليه بصيرتي، فأحتشد بأوار، لا أجد متنفسّاً له سوى الكلام، الذي ينقذنا من كآبة المشاهد، التي تسعى لاستعادة أناقتها، رغم التلوّث، الذي يحطّ أقدامه على ما تبقّى من زينة فطرية تغري الفَرس بالصهيل، وإنْ كان وحشيّاً، أو مجروحاً مثل شهقة الكرز، في ظهيرة الحقول المنسيّة.