2010-03-27

فؤاد عباس: ودع حياة ملأها بالورد والأمل والعطاء


بقلم: إبراهيم عباس

ودع أبو إبراهيم الحياة في القاهرة التي أحبها دومًا عن عمر يناهز الستة والثمانين عامًا بعد أن تمرد على المرض ورفض تهمة "الزهايمر" مثلما ظل يرفض دومًا فرضية أن تهزم الثورة أو تطمس القضية أو أن يضيع التراث أو أن يتحول حلم الثورة إلى سراب. مات الرجل الذي أفنى عمره في محبة فلسطين وكل ما يرمز إليها بما في ذلك زعترها وزيتها وبرتقالها وكرومها وعبق تراثها. مات مناضل فلسطيني آخر من الرواد في الحركة الوطنية والفكرية الفلسطينية على مدى ثلاثة أرباع قرن من العطاء الجميل بعد أن قرر منذ البداية أن يكون في صفوف جنودها المجهولين بذلاً وتضحية وفداء منذ أن سقط جريحًا أثناء حرب 1948 حيث ظل جرحه مدموغًا على جلده يكتب الحروف الأولى من وطن كان عشقه الأول والأخير.

أنعي اليوم إلى فلسطين وأبنائها المخلصين ممن عرفوا أو لم يعرفوا والدي أبو إبراهيم – يرحمه الله - فلا أكاد أفيه إلا القليل من حقه علي الذي أقله تعليمه لي أن أكون مع فلسطين قلبًا وقالبًا، وجدانًا وضميرًا، وأن الوطن في معناه الأسمى أن يكون الإنسان فلسطينيًا أولاً وقبل أي شيء.

اليوم وأنا أنعي والدي – يرحمه الله - إنما أحاول أن أفيه حقه كأحد أبناء الثورة الأبرار المخلصين ممن كرسوا حياتهم ووقتهم وأقلامهم في خدمة قضية فلسطين.

فؤاد إبراهيم عباس تنيرة، من مواليد المجدل عام 1924، اشتهر في مقتبل حياته بمكتبة العامرة في المجدل التي قال لي عنها د. محمد يوسف نجم (الأستاذ في الجامعة الأمريكية والحائز على جائزة الملك فيصل في الآداب) ذات مرة عندما التقيته في جدة في عقد الثمانينيات، وأجريت معه لقاءً صحفيًا نشر في جريدة "عكاظ" في حينه - بأنهم عندما كانوا يحتاجون إلى كتاب ما ولا يعثرون عليه فإنهم كانوا يلجأون إلى مكتبة فؤاد عباس.

ظل أبو إبراهيم على صلة بالكتاب طيلة فترة حياته، وحتى عندما مرض بالزهايمر اللعين بدءً من العام 2005 كان يطلب منا أن نشتري له الكتب من أكشاك مصر الجديدة فيفرح لرؤيتها، ويكتفي فقط بقراءة العنوان، ثم يلقيها جانبًا. وكثيرًا ما دأبت والدتي على أخذ بعض الكتب من مكتبتنا الكبيرة في منزل العائلة والتظاهر بأنها ابتاعتهم له من الخارج فتنطلي عليه الحيلة.

أذكر إنني كنت أترقب عودة والدي من الإذاعة عامي 1964 -1965 قبل ذهابي للإسكندرية للدراسة في جامعتها (كلية الصيدلة/ خريف عام 1965) كي أتلقف من يديه المجلات والكتب ودواوين الشعر التي كان يحضرها معه وهو عائد من عمله، فأنكب على قراءتها بشغف.

يذكر أبو إبراهيم في كتابه (الموروث الشعبي الفلسطيني في ثورة 1936/1939ص118-119): "كانت ولادتي في المجدل عسقلان من أب فلسطيني هو إبراهيم عباس تنيرة، وأم فلسطينية من أصل لبناني هي أسماء سليم الحوت. وكان جدي الشيخ عباس محمد تنيرة عميدًا لحمولته في المجدل التي اشتهرت بالتجارة وتملك الأرض. وأكدت شخصية الشيخ عباس القوية غلبة الاسم عباس على أبنائه وأحفاده. وكان الشيخ عباس وسليم الحوت (مختار محلة المنشية من عام 1918 إلى عام 1948) تربطهما مودة بالمرحوم السيد عمر البيطار رئيس بلدية يافا حينذاك، وعلى يديه تزوج أبي من أمي".

وحول طفولته المبكرة يقول أبو إبراهيم: "بدأت دراستي في مدرسة المجدل الابتدائية، وكانت تضم معلمين مرموقين منهم ناظر المدرسة عبد الله الخطيب.. ومنهم مخلص عمرو، ومحمد هيكل، وصائب الناظر، وشريف برزق، وأكرم العلمي، وغيرهم".

وقد تم اختيار والدي عام 1938 /1939 بين طلاب الصف السابع الابتدائي في مدرسة مجدل عسقلان الابتدائية لإكمال تعليمه في الكلية العربية في القدس لأنه كان الأول في صفه، لكن أمه (جدتي أم فؤاد) فضلت التحاقه بالعامرية الثانوية في يافا برعاية أهلها (بيت الحوت) وحيث مكث فيها عامين التحق بعدهما التحق بالكلية العربية بالقدس وتخرج منها عام 1943، وعمل في التدريس بعد التخرج في مدرسة المجدل الثانوية.

وحول ذكرياته في الكلية العربية يقول والدي: "كانت دار المعلمين نواة الكلية العربية في القدس، وبعد إضراب 1936 تم تشييد مبنى الكلية العربية على جبل المكبر، جنوبي المدينة، ومن ثم انتقل الطلاب إلى المبنى الجديد. وكانت دار المعلمين (ثم الكلية العربية) تقبل الطلبة المتفوقين من مدارس فلسطين الابتدائية والثانوية ، فكان المتفوقين الذين أنهوا التعليم الابتدائي يلتحقون بالصف الأول الثانوي في المدرسة الرشيدية في القدس، والتي تقع خارج باب الزاهرة (الساهرة)، ويمضون في المدرسة نفسها الصف الثاني الثانوي أيضًا، ثم يكملون دراستهم في الكلية العربية بعد ذلك. أما المتفوقون من مدارس فلسطين الثانوية فكانوا يلتحقون بالصف الثالث الثانوي في الكلية العربية مباشرة. وكان النظام، قبل فترة الأربعينيات، يتيح لطالب الكلية الناجح في شهادة الاجتياز إلى التعليم العالي الفلسطيني (المتريكيوليشن) الالتحاق بالصف الخامس الثانوي في الكلية العربية إذا كان متفوقًا. وهو صف خاص يعلم التربية النظرية والعملية، إضافة إلى بعض المواد الأخرى. وفي التربية، من الناحية النظرية، كان الطالب يدرس علم النفس وآثاره في التربية والتعليم، وإدارة الصفوف، وأركان التدريس. وكان الأستاذ أحمد سامح الخالدي (الأكاديمي المعروف) - مدير الكلية- ألف كتبًا في هذه المواد.

ومن الناحية العملية، كان أساتذة الكلية يدربون طلاب الصف الخامس تدريبًا جيدًا على التدريس، فيقوم هؤلاء الطلاب بالتدريس في مدارس القدس بإشراف وتوجيه أساتذتهم. في سنة 1940 استحدث نظام جديد، فقد ألغي الصف الخامس التربوي واستعيض عنه بإشراف مدرسي الكلية على تصحيح امتحان المعلمين الأعلى للمدارس الثانوية الذي كانت تنظمه إدارة المعارف في فلسطين. أما في الكلية العربية فقد ألغي الصف الخامس (الصف التربوي)، وأصبح هناك تأهيل لشهادة "الإنترميديات"، بقسميها العلمي والأدبي، في صفين متتابعين (الخامس والسادس الثانويين) بعد مرحلة "المتريكيوليشن"، ويشترك القسمان في دراسة التربية، واللغتين العربية والإنجليزية، والمنطق، ويختص القسم الأدبي بدراسة نصوص لاتينية، وتاريخ اليونان والرومان، وتاريخ الفلسفة، بينما يختص القسم العلمي بدراسة الرياضيات العالية بمختلف فروعها، وتاريخ العلوم. ويستطرد والدي: "والجدير بالملاحظة أنه في موازاة الكلية العربية كانت المدرسة الرشيدية تنحى المنحى نفسه في تقسيم المناهج إلى علمي وأدبي، وكان بعض مدرسي الكلية العربية يدرس في المدرسة الرشيدية، وعرفنا من طلاب الرشيدية من المعاصرين لنا: علي هاشم رشيد (الشاعر)، وأحمد فرح عقيلان الفالوجي (إمام المسجد الكبير في الرياض)، وخليل إبراهيم الخطيب، وغيرهم.

حصل والدي على شهادة "المترك" من الكلية العربية في القدس في بداية الأربعينيات من القرن الماضي ضمن دفعة مكونة من عشرين طالبًا ذكر منهم عبد الفتاح الفاخوري ومحمد الأشقر (طولكرم)، حسن البطة (خان يونس)، أشرف الشوا (غزة)، عرفان عارف قعوار (الناصرة)، جميل عارف البديري (القدس) وصادق إبراهيم عودة وغيرهم.

ويذكر والدي من أساتذة الكلية العربية د. نيقولا زيادة الذي كان كثيرًا ما يرتب الرحلات خارج القدس لطلابه. يقول والدي بهذا الصدد: "أذكر أنه رتب رحلة مع طلاب صفنا إلى دير القرنطل وأريحا وغور الأردن والبحر الميت، كما لا أزال أذكر أنه أعطاني لفافة كبيرة الحجم فيها الفستق المحمص، وطلب مني توزيعها على المشتركين في الرحلة، إلا أن جمال الأرض الفلسطينية ألهاني عن حمل اللفافة وتوزيع الفستق. وبادرني د. زيادة بالسؤال عن اللفلفة بعد أن خرجنا من الدير، ولما ذكرت له أن جمال الطبيعة إنساني كل شيء قال وهو يبتسم: "يا فؤاد، دعنا نتمتع بجمال الطبيعة ونحن نأكل الفستق!".

حصل والدي على مؤهل المعلمين الأعلى عام 1947 متخصصًا في اللغة العربية وآدابها وعلم التربية. وواصل مهنة التدريس، وآخر موقع عمل فيه كان مدرسة المجدل الثانوية إلى أن حلت النكبة عام 1948 فأصيب فيها بجرح في فخده إثر غارة جوية للعدو عندما كان يوزع التموين على الأهالي، واضطره الجرح إلى الهجرة إلى مصر مع أفراد الأسرة ليتم علاجه فيها حيث ظلوا فيها لاجئين.

بعد الهجرة، عمل والدي في تجارة الأقمشة، ثم مدرسًا في السعودية على مدى ثمان سنوات (1956 - 1964)، فعمل أولاً في الظفير، ثم في رابغ (في ثول)، ثم في جدة، وكان آخر مدرسة عمل فيها الثغر الثانوية، عمل فيها كمدرس أول لغة عربية.

التحق فؤاد عباس عام 1965 بالعمل بإذاعة "صوت فلسطين – صوت منظمة التحرير الفلسطينية من القاهرة" حيث كتب التعليق والبرنامج والخاطرة، ومنذ ذلك الوقت انتقل من مهنة التدريس إلى مهنة الكتابة، وساعده على ذلك أنه مارس الكتابة الصحفية بالفعل وهو في السعودية عندما كان أحد محرري الأدب في صحيفة "البلاد" أثناء عمله في التدريس في فترة الخمسينيات وبداية الستينيات الميلادية.

وخلال عمله في الإذاعة حصل على دبلوم الدراسات الإسلامية العليا عام 1978، وأظهر اهتمامًا خاصًا بالتراث الشعبي الذي احتل مساحة كبيرة من كتاباته. وقد صدرت له العديد من المؤلفات من أهمها: "مدخل إلى الفولكلور الفلسطيني" القاهرة 1985، "العادات والتقاليد في الموروث الشعبي الفلسطيني" القاهرة 1989، معجم الأمثال الشعبية الفلسطينية (بالاشتراك مع أحمد عمر شاهين) ـ عمان 1989، "الموروث الشعبي الفلسطيني في ثورة 36ـ 39"  القاهرة 1989، "فنون القول في الموروث الشعبي الفلسطيني" القاهرة 1990، موسوعة بيت المقدس، القاهرة (صدر منها تسعة أجزاء).

وأذكر من قصائده التي كتبها أثناء عمله في المملكة ونشرت في جريدة "البلاد" آنذاك:

جميلة بوحريد      ياغنـــوة الدهــــر
الله يرعاك في      منـــزل الصــــبر
أمام القضبان       وخــلفك الذكــرى
وليهتف النشوان    مرحى لك مرحى


كما أذكر له مقالة بعنوان "الأربعة قروش المباركة".

وكان والدي يقدم برنامجًا يوميًا – خاطرة الصباح – إلى جانب عمله مديرًا في قسم المعلومات والعلاقات الخارجية في إذاعة صوت فلسطين. وظل يشغل منصب رئيس الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين في جمهورية مصر العربية على مدى سنوات عدة حتى وفاته في مارس 2010.

وحول (الكتابة) التي شكلت المهنة الثانية لوالدي يقول: "اتخذت الكتابة بالنسبة لي أربعة محاور:

- المحور الأول: الكتابة لإذاعة صوت فلسطين حيث مارست كتابة وإعداد برامج إذاعية كثيرة مثل: خاطرة الصباح، جسر اللقاء، أحياء عند ربهم، تحت الضوء، أوراق فلسطينية، سجل الخلود، وغيرها. هذا فضلاً عن الكلمات والتحليلات السياسية. 

- المحور الثاني: الكتابة في السياسة والقضية الفلسطينية حيث قدمني المرحوم الأستاذ يوسف السباعي إلى مجلة (الكاتب) القاهرية، فكنت أكتب بعض المقالات السياسية فيها وغالبًا ما كانت عن القضية الفلسطينية وذلك في الأعوام (من 1975 حتى نهاية 1977)، هذا بالإضافة إلى كتاباتي من الدراسات عن القضية الفلسطينية في مجلة (أفاق عربية – العراقية)، وبعض مجلات الثورة الفلسطينية.

- المحور الثالث: الكتابة في التراث الشعبي الفلسطيني وخاصة في مجلة (التراث الشعبي) العراقية حيث كتبت عددًا كبيرًا من الدراسات، وكنت من الذين اشتركوا في ندوة الفولكلور الأولى المنعقدة في بغداد عام 1977. وفي العام 1985 دفعت إلى المطبعة بأول كتاب لي هو (مدخل إلى الفولكلور الفلسطيني) الذي نشرته دار (الموقف العربي) بالقاهرة.

- المحور الرابع: الكتابة في الإعلام التنموي. وكنت قد اشتركت في الدورة التدريبية السادسة للمركز العربي للدراسات الإعلامية للسكان والتنمية والتعمير بالقاهرة المنعقدة بطرابلس في ليبيا في يونيو 1976، وكان يشرف على المركز الأستاذ عبد المنعم الصاوي، والزبير سيف الإسلام، وكنت قبل ذلك وبعده قد نشرت دراسات في مجلة المركز التي كانت تصدر في القاهرة.

نجح فؤاد عباس، إلى جانب نجاحه في تربية أبنائه وتعليمهم في زرع نبتة حب الوطن فلسطين في مخيلتهم  منذ نعومة الأظفار فنمت تلك النبتة في قلوبهم ووجدانهم وضميرهم لتتحول على مر السنين إلى شجرة باسقة من الانتماء للقدس والقضية والحنين إلى الربوع والعمل من أجل تأكيد حق العودة من خلال المقالة والقصيدة والمحاضرة والندوة والدراسة والكتاب، وهو ما تمثل بشكل خاص بي وبشقيقتي فدوى من خلال نشاط أدبي وصحفي لافت تمحور في غالبيته حول فلسطين.

رحمك الله أيها الوالد المعلم والصديق والرفيق في درب طويل زرعته لنا وردًا وأملاً وعطاء.

* كاتب فلسطيني يقيم في الرياض. - ibrahimabbas1@hotmail.com