2022-08-11

قراءة في الحرب العدوانية على قطاع غزة..!


بقلم: راسم عبيدات

تتعدد القراءات للحرب العدوانية الإستباقية التي شنتها دولة الكيان على قطاع غزة، مستفردة فيها بحركة الجهاد الإسلامي، والتي أتت في سياق استمرار عمليات الإستفراد والإستهداف في عمليات إنهاكية متواصلة واستباقية في الضفة الغربية بحق حركة الجهاد الإسلامي وبقية قوى المقاومة، وخاصة في مدينة جنين ومخيمها ونابلس ومخيماتها.

فدولة الكيان، تخشى خوض حرب مفتوحة تشترك فيها كل الساحات عنوانها "القدس والأقصى" فمنذ ايلول 2021، ومن بعد ان تمكن ستة من اسرى شعبنا الأبطال من اختراق منظومة الأمن الإسرائيلية واصابتها في عصبها الرئيسي بالعطب، من خلال عملية "نفق الحرية"، والتي أفضت الى تحرير هؤلاء الأسرى لأنفسهم، من سجن "جلبوع" الأكثر تحصيناً وأمناً، وما اصطلح على تسميته بـ"الخزنة"، ورغم ان دولة الكيان نجحت في إعادة اعتقال هؤلاء الأسرى الأبطال، بعد فترة قصيرة، ولكنها جاءت لتقول بأن أمن ومنظومة أمن الكيان هشة ويسهل اختراقها، وسجون الإحتلال، لن تكون قبوراً لأسرانا وقادتهم الأبطال..

من بعد عملية "نفق الحرية" وما سبقها من معركة "سيف القدس"، أيار 2021، وما تلاها في أذار 2022، من العمليات التي نفذت على أيدي مقاومين فلسطينيين، من الداخل الفلسطيني – 48 ومدينة جنين ومخيمها، ودولة الكيان تطلق سلسلة من المناورات الواسعة والعمليات المتواصلة، مثل "جز العشب" وما عرف بـ"كاسر الأمواج"، والهدف منها اغتيال وتصفية أعضاء حركة الجهاد على وجه الخصوص وغيرهم من نشطاء المقاومة، واعتقال النشطاء والأسرى المحررين، لكي لا تتمكن فصائل المقاومة من إقامة بنى وهياكل وخلايا تنظيمية، تخرج جنين ومخيمها اولاً عن سيطرة دولة الكيان، وعن سيطرة أجهزة امن السلطة، لأن ذلك يعني تهديد مباشر لقلب جبهة دولة الكيان الداخلية، وخاصة بأن جنين لا تبعد سوى بضعة كيلو مترات عن مدن الداخل الفلسطيني-48. ولعل الإعلان عن تشكيل "كتيبة جنين" ومنع تدحرج بقعة الزيت نحو بقية مدن الضفة الغربية، حيث تشكلت "كتيبة جنين" في نابلس وطوباس وقباطية، معلنة بان المقاومة في جنين ومخيمها لم تعد مقاومة او ظاهرة محلية، بل هي مقاومة باتت تتصف بالشمولية والتطور والتصاعد والتجذر.
حكومة لابيد – غانتس، تريد ان تضرب وتكسر معادلات الردع التي تشكلت في معركة "سيف القدس"، وحدة "المصير والمسار" ما بين القدس وغزة، وكذلك أي معادلة تربط بين الأسرى وبين قطاع غزة.

حكومة لابيد – غانتس أقدمت على عملية اعتقال القائد السياسي لحركة الجهاد في الضفة الغربية بسام السعدي بطريقة وحشية، واضح انها أتت في إطار عملية التصعيد ضد حركة الجهاد التي هددت بانها سترد على عملية اعتقال السعدي، وحكومة الكيان التي اتخذت القرار بتنفيذ عملية "بزوغ الفجر"، بضوء اخضر امريكي ومباركة قوى عربية وإقليمية، ضمنت لها تحييد حركة "حماس" عن المشاركة في المعركة، مقابل عدم استهداف المنشآت الحكومية والمدنيين، وحصر المعركة بإستهداف "الجهاد الإسلامي"، والإستهداف والإستفراد بالحركة أتى بعد ان توفرت لدولة الكيان لحظتان، لحظة عملاتية "معلومات استخبارية" تجمعت لديه من اكثر من مصدر وطرف عربي عن تحركات ووجود قيادات حركة الجهاد العسكرية، ولحظة سياسية، تضمن الإستفراد بحركة الجهاد في المعركة، بتطمينات وضمانات الوسيط المصري وحواضن عربية وإقليمية بعدم تدخل "حماس" في المعركة، على ان يجري توظيف نتائج المعركة على "الجهاد" لخدمة أغراض سياسية، تؤكد على أهلية لابيد لقيادة دولة الكيان، وكذلك الحصول على كسب أصوات الناخبين الصهاينة، وبما يعزز من حضور هذا التحالف في البرلمان الإسرائيلي "الكنيست".

المعطيات والوقائع والنتائج التي حصلت كانت تقول بأن دولة الكيان تحضر لعملية عسكرية ضد حركة الجهاد، من استدعاء المزيد من فرق الإحتياط، ونصب القبب الحدودية على حدود قطاع غزة وفي وسط وقلب دولة الكيان، وتعطيل كل مناحي ومظاهر الحياة في مستوطنات غلاف القطاع، واغلاق الشواطئ والمتنزهات، ووقف حركة القطارات من عسقلان الى مستوطنة "سديروت"، واغلاق المعابر التجارية والشخصية بين قطاع غزة والأراضي المحتلة -48 - لمدة أربعة ايام، وترافق ذلك بحملة اعلامية وتهديدات لحركة الجهاد، حول نيتها القيام بعملية عسكرية عبر عملية قنص او استخدام صواريخ "كورنيت" ضد جنود إسرائيليين، واوعزت الى المصريين بالتدخل، وبالفعل دخل المصريون كالعادة على خط الوساطة، وقبل عملية العدوان على غزة وحركة ا لجهاد بيوم، نقل المصريون اقتراحات لحركة الجهاد لدراستها متعلقة بمصير الشيخ بسام السعدي ومحاولة احتواء الوضع، ولكن الرد الإسرائيلي على ذلك اغتيال القائد الميداني الكبير لـ"سرايا القدس" تيسير الجعبري، ومن بعد ذلك اغتيال قائد عسكري آخر، هو خالد منصور. وتلك المعركة التي أطلقت عليها حركة الجهاد "توحيد الساحات"، استمرت 66 ساعة وأوقعت 47 شهيداً عدد لا بأس به منهم من الأطفال والمواطنين العاديين واكثر من 350 جريح، وما نتج عنها ايضاً من خسارة لحركة الجهاد لعدد من قياداتها العسكرية، وعمليات التدمير وهدم المنازل، وما استتبعها من وقف لإطلاق النار برعاية مصرية، تتضمن حسب ما قاله الأمين لحركة الجهاد الأخ زياد النخالة، بأنها تتضمن التزام إسرائيلي بالإفراج عن الأسيرين السعدي والعواوده، في حين دولة الكيان على لسان وزير جيشها غانتس، نفت ذلك وقالت بأن ذلك الاتزام سعي مصري للإفراج عن هذين الأسيرين.

من نتائج تلك المعركة التي جرى فيها الإستفراد والإستهداف لحركة الجهاد، بأن الهدف المركزي لهذه العملية، هو ليس فقط كسر معادلات الردع التي أوجدتها "معركة سيف القدس" في أيار 2021، بالربط بين غزة والقدس والضفة الغربية والقطاع، كوحدة مصير ومسار، بل منع مشاركة الجبهة الجنوبية، بعد اضعافها عسكرياً، في أي حرب عدوانية تشن على لبنان وحزب الله، العمل على إيجاد شرخ بين حركة الجهاد، وبين بقية قوى المقاومة وبالذات حركة "حماس"، والتي جرى امتداحها على عدم تدخلها من قبل الأمريكان ودولة الكيان والوسيط المصري وقطر وتركيا، السعي من أجل اجتثاث حركة الجهاد عسكرياً، لكون هذه الحركة، شكلت رافعة لقوى المقاومة في خوض المعارك ضد دولة الكيان، ولكونها تشكل حلقة وصل ما بين المقاومة الفلسطينية ومحور القدس. ولعل هناك هدف مركزي لهذا العدوان، شبيه بالهدف الذي سعت لتحقيقه أمريكا في لبنان، حيث طلبت من إسرائيل خوض حرب تموز العدوانية على المقاومة وحزب الله من اجل خلق شرق أوسط جديد، ومنع صمود حزب الله والمقاومة اللبنانية وإنتصارهما.

وكسر وتحطيم حركة الجهاد عسكرياً، هدفه هندسة مشروع سياسي جديد من بوابة القطاع، ولكن النتائج التي حصلت، والتي تتبجح فيها إسرائيل بأنها حققت أهدافها.. ورغم ان حركة الجهاد لم تحقق انتصاراُ بالمعنى التكتيكي، ودفعت ثمناً عسكريا باهظاً، ولكنها صمدت ومنعت تغيير قواعد ومعادلات الردع، و"حفرت" عميقاُ في وعي مواطني دولة الكيان، والذين تتعمق ازماتهم النفسية والمجتمعية وتضع علامات استفهام كبرى حول استمرار وجودهم في دولة الكيان. وكذلك لم تتمكن دولة الكيان من وقف إطلاق الصواريخ على مستعمراتها في غلاف غزة ومدنها الرئيسية في قلب ووسط دولة الكيان، فحركة الجهاد أطلقت خلال ثلاثة أيام حوالي الف صاروخ وقذيفة. حركة الجهاد باتت رقماً صعباً في القرار السياسي والعسكري الفلسطيني، ولم تعد حركة مهمشة سياسياً وعسكرياً.

وكذلك نتائج المعركة قالت، بانه لا ثقة بالوسيط والراعي المصري، وهذا ما خبرناه في الواسطات السابقة، صفقة تبادل الأسرى "الوفاء للأحرار" تشرين اول 2011، والحروب العدوانية على قطاع غزة، 2008 -2009 و2012 و2014 و2021، حيث لم يجر رفع للحصار ولا إعادة اعمار ولا فتح معابر ولا توسيع مساحة الصيد، وفي صفقة "الوفاء للأحرار" أعادت إسرائيل اعتقال 53 أسير تحرروا في تلك الصفقة، ولم تحرك مصر ساكناً، وها هي التجربة تعيد نفسها ونعود "لتجريب المجرب" من جديد، وعود بإطلاق سراح السعدي والعواوده، ولكن بقيت تلك الوعود شيكات بلا رصيد، لم يطلق لا سراح السعدي ولا العواودة، ولا يوجد نية لحكومة الكيان لإطلاق سراحهما، فهي تريد ان تحقق مكاسب انتخابية في الانتخابات التبكيرية الخامسة على حساب الدم الفلسطيني، وتريد ان توجه رسائل لحزب الله وايران، ولذلك يبقى وقف إطلاق النار هشاً وقابلا للإنفجار في أي لحظة، فدولة الكيان تصعد في القدس عبر استباحة الأقصى بالإقتحامات الكبيرة والواسعة، واغتالت ثلاثة من شهداء الأقصى في نابلس إبراهيم النابلسي وإسلام صبوح وحسين طه والفتى مؤمن جابر في الخليل..!

هي معركة محتدمة في صراع مستمر ومتواصل يخبو حيناً وترتفع وتائره حيناً آخر، ولن ينجح المحتل في كسر إرادة شعبنا ولا تحطيم إرادته وإطفاء جذوة شعلة مقاومته، فالتاريخ يعلم بأن الإحتلال والظلم والطغيان الى زوال.

* كاتب ومحلل فلسطيني يقيم في مدينة القدس. - Quds.45@gmail.com