2021-01-24

في القرار السيادي..!


بقلم: د.ناجي صادق شراب

لا يوجد تعريف متفق عليه بالمطلق للقرار السيادي، ولكن توجد قرارات تؤشر للسيادة: كيف ومتى وأين تتخذ الدولة او الحاكم القرار السيادي؟

القرار السيادي منبعه المصلحة العليا التي يحددها الحاكم من خلال رؤيته الشمولية المدعومة بالعديد من المحددات والوقائع التي تفرضها الإعتبارات الأمنية والجغرافية والإقتصادية والمجتمعية وموازين القوى الإقليمية والدولية، وكيف يرى الحاكم التهديدات التي تهدد بقاء وأمن دولته وشعبه. ولذلك توجد قرارات متفق عليها تعبر عن القرار السيادي كقرار إعلان الحرب وإرسال القوات المسلحة وتقديم المساعدات العسكرية أو دعم دولة ما في صراع ونزاع في تطوره مساس بأمن الدولة، وقرار الإتفاقات الدبلوماسية وقرار السلام وإقامة معاهدات السلام والعلاقات مع الدول الأخرى.

وهذا المفهوم ينطلق من عدم ثبات حالة العداء والصداقة، ومن توسيع مصالح الدولة ومن رؤية الحاكم للدور والمكانة التي تطلع إليها الدولة.

وفي كتابه "اللاهوت السياسي" يعرف كارل سميث الحاكم السيادي بقوله: الذي يقرر في حالة الإستثناء. وهنا تبرز قوة القيادة وصدقة وبصيرة الحاكم. وهو هنا يشير إلى المهام الملقاة على عاتق الحاكم السيادي وليس تحديدا مطلقا لمفهوم السياده. والتي عرفها هوبر بالسلطة العليا والكلية والمطلقة وغير القابلة للتجزئة، وهو تعريف نظري وصفي.

هذا ويعتبر سميث حالة الإستثناء قرارا بما تحمله الكلمة من معان. والدولة لديه إذا لم تكن مجرد وهم أو واجهة للتحالفات الفئوية والمصالح الخاصة، لا بد أن تكون صاحبة سياده مطلقه على أراضيها ومواطنيها. وتعريفه للسياده هنا يتصل بالحالات الإستثنائية الحاده والحرب والسلام أكثر تعبيرا عنها.

وإتخاذ القرار السيادي هي مهمة الحاكم والقائد. فالذي يجعل السيادة تؤخذ في الحسبان هي حالة الإستثناء، بقوله كيف يتحرر الحاكم من القيود القانونية لممارسة حقه السيادي؟ ويقول أن الدولة تعلق القانون في الحالات الإستثنائية على أساس المحافظة على حقها في المحافظة على الذات والبقاء ودرء التهديدات الخارجية وحتى الداخلية.

ولذلك فإن سلطة الدولة التي تعلو على الكل تخول لها ان تعلن عن حالة الإستثناء حفاظا على ذاتها. والحاكم هو من يقرر حالة الإستثناء في شموليتها، فهو من يقرر ما هي الأخطار التي تتهدد الدولة، والدوافع لإقامة التحالفات والسلام وما الذي يحفظ وجودها. والتساؤل أين يكمن جوهر السيادة؟

الحاكم، وفقا لسميث، هو الذي يقرر وضع الإستثناء، فالحاكم من هذا المنطلق يحتكر سلطة إتخاذ القرار في إعلان حالة الإستثناء، حيث الإستثناء جوهر سلطته، فالإستثناء أمر غير قابل للقياس. وقد تثير السيادة إشكاليات كثيرة من منظور سياده الدولة الأخرى. فسيادة الدولة أحد أهم مقومات وركائز نظرية الدولة التي تقوم على علاقة أركان الإقليم والشعب والسيادة. ويفترض ان الدولة تملك القرار السيادي على إقليمها وشعبها فقط وفى إقامة العلاقات مع غيرها من الفواعل الدولية أو حتى من غير ذات الدول. وهذا يعني أن الدولة لها سيادة مطلقة في إدارة شؤونها الداخلية والخارجية وفقا لرؤيتها لمصالحها القومية العليا. إذن المحدد لسيادة الدولة هو المصلحة القومية والتي تتحدد بالبقاء والوجود والأمن ورفاهية شعوبها.

والسيادة لها مظاهر كثيرة داخليا وخارجيا، فداخليا لا قيود على سيادة الدولة وخارجيا السيادة تحدها سيادة الدول الأخرى. فالدولة عندما تقيم علاقات سلام وتحالفات مع الفواعل الأخرى فهذا حق لها وتعبير عن سيادتها ودون ذلك يعتبر إنتقاص لسيادتها وإلغاء لوجودها وماهيتها كدولة كامله وإنتقاص من الحاكم السيادى. والسيادة ممارسة فعلية أكثر منها نظرية وتعني ممارسة نسبيا في الممارسة الواقعية.

وسيادة الدولة تحكمها سيادات الدول الأخرى والتي لكل منها مصالحها القومية والتي تسعى للبقاء وحفاظ أمنها، وهذه المصلحة لا تتحقق بالإعتماد فقط على القدرات الذاتية للدولة ذاتها والتي تبقى محدودة وإنما تكتمل بالتفاعل والإلتقاء في المصالح بين الدول التي تلتقي مصالحها تجاه تهديدات مشتركة، العالم الذي تحكمه السيادة والمصالح تحكمه الرؤية المشتركة لمصادر التهديد المشتركة، فقد تشكل دولة أخرى مصدرا مشتركا للتهديد لأكثر من دولة، ومواجهة هذه التهديد قد يستلزم ويفرض حالة إستثنائية في العلاقات والقرارات السيادية التى يتخذها الحاكم.

في ضؤ هذا الفهم العام للقرار السيادي يمكن لنا تفهم وتفسير لماذا تقيم هذه الدولة او ذاك علاقات مع غيرها وتبني تحالفات تحكمها المصالح والتهديدات المشتركة. ويبقى أن الدولة لا ترهن بقائها ووجودها بمصالح الآخرين وماذا يريدون؟ ولا يعني أن تتنازل الدولة عن إلتزاماتها القومية مع الدول التي تنتمي لنفس المنظومة كالإلتزام الأمني العربي ودعم القضايا العربية المشتركة، كالقضية الفلسطينية مثلا.

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@gmail.com