2020-06-29

محمد مازح القاضي اللبناني: نموذج القاضي الشجاع


بقلم: د. عبد الستار قاسم

في موقف قضائي عربي فريد من نوعه قرر القاضي اللبناني محمد مازح توجيه أمر قضائي للإعلام اللبناني بعدم إجراء مقابلات مع الشمطاء سفيرة الولايات المتحدة في لبنان. كان القاضي جريئا، وفضل مصلحة لبنان على مصالحه الشخصية التي يمكن أن تتضرر بسبب موقفه هذا. لقد رأى السيد القاضي أن سفيرة أمريكا تعمل على صناعة فتنة في لبنان ما قد يؤدي إلى حرب أهلية وإلحاق دمار شامل بالدولة اللبنانية، فكان قراره استنادا إلى ما رآه المصلحة اللبنانية وليس وفق قوانين ومواد يتضمنها الدستور اللبناني.

والقاضي على وعي تام أن الدستور اللبناني الذي يضمن حرية الإعلام لن يسمح بتنفيذ الأمر القضائي، لكنه قرر تسجيل موقف قضائي ليكون عبرة وليقول إن أمن لبنان ووحدة لبنان أهم بكثير من حرية صحفي يطلب مقابلة في عوكر (حيث مقر السفارة الأمريكية في بيروت). وفور صدور هذا القرار القضائي هبّ أذناب أمريكا والصهاينة في لبنان لاتهام حزب الله بأنه هو الذي ضغط على القاضي لإصدار هذا القرار. وقد شاهدت السيد القاضي على الشاشة يقسم بالله أن أحدا من حزب الله لم يتصل به حول هذا الموضوع. كان القرار من وحي ضمير القاضي ومن حرصه على لبنان وتجنب الفتنة التي يحاول لبنانيون بدعم سعودي وأمريكي منذ سنوات افتعالها من أجل شل قدرات حزب الله العسكرية.

اتهمت سفيرة أمريكا حزب الله بالفساد، وباستنزاف ميزانية لبنان والعمل على تجويع الناس، وذلك في تناقض تام مع حقائق الوضع اللبناني. وهي تغاضت عن حلفائها الذين أشبعوا لبنان فسادا، وأرهقوها مذهبيا وطائفيا ونهبوا ثرواتها، وأصروا دائما على إخراج لبنان من معادلة الصراع مع الكيان الصهيوني. أموال حزب الله تأتي من إيران على المستويين الشعبي والرسمي، وهو لا يكلف خزينة الدولة اللبنانية دولارا واحدا. لكن السفيرة تعمدت التحريض للمساهمة في خلق أجواء فتنة بين مكونات المجتمع اللبناني.

كنت أتمنى أن أرى شجاعة قضائية فلسطينية مماثلة. كنت أتمنى أن أرى قاضيا فلسطينيا يقف بكل جرأة وشجاعة ويفرج عن معتقلين فلسطينيين بقوله إن هؤلاء تم اعتقالهم بناء على مقتضيات اتفاق أوسلو، واتفاق أوسلو غير شرعي لأنه يتناقض مع الميثاق الوطني الفلسطيني الذي كان معمولا به في حينه، ويتناقض مع القرارات الفلسطينية المتعاقبة، ومع قوانين منظمة التحرير الفلسطينية. أو أن أسمع قاضيا يرفض تطبيق قرارات محمود عباس التي يصفها بأنها قرارات بقوانين. عباس يتجاوز القوانين الفلسطينية وأصول فصل السلطات، وما زال مصرا على أنه سلطة تشريعية. هذه مسائل معلقة برقاب القضاة الذين يجب أن يقوموا بدورهم الهام في ترتيب الأوضاع القضائية والقانونية في فلسطين. وحتى أنه من الغريب أن يدافع محامون من المفروض أنهم درسوا القانون بالدفاع عن قرارات بقوانين.

والمحزن أن قاضيا فلسطينيا قد تسبب بفتنة فلسطينية كبيرة ما زالت قائمة حتى الآن عندما قضى بأن جلسة المجلس التشريعي المنصرف والتي عقدت بتاريخ 13 شباط 2006 بأنها شرعية، وبذلك أسس لفتنة ذهب ضحيتها مئات الفلسطينيين وتشتت الشمل وارتفع منسوب الأحقاد والكراهية في المجتمع الفلسطيني. أنا لا أعرف اسم ذلك القاضي، ولا أدري فيما إذا كان موجودا حتى الآن. لكن يجب محاسبة هذا القاضي مستقبلا سواء كان حيا أو ميتا.

المؤسف أن لبنانيين في اشتياق كبير للفتنة، وأهوال الحرب الأهلية لا تردعهم عن السير في طريقها. لقد استفز هؤلاء حزب الله مرارا لجره إلى حرب داخلية، لكن الحزب كان يفضل دائما الاستكانة والامتناع عن الدخول في الفتنة لأنه في النهاية هو المستهدف. وشعب لبنان دائما هو الذي يدفع ثمن الفتن والحروب الداخلية.

* أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية- نابلس. - sattarkassem@hotmail.com