2020-05-15

الإحتلال هو إحتلال العقول قبل الحقول..!


بقلم: د. عبد الرحيم جاموس

يعتقد البعض أن الإحتلال يتم فقط من خلال إحتلال الأوطان، لكن الحقيقة الصادمة هي أن إحتلال العقول والإرادات يمثل أخطر أشكال الإحتلالات التي عرفتها وتعرفها البشرية عبر التاريخ وإلى الآن، هناك دول عديدة حرة ومستقلة، لكن شعوبها أو نخبها فاقدة للإرادة الحرة وللعقول المستقلة فهي شعوب محتلة في دول حرة، لأن عقولها مستعمرة وإراداتها مستلبة ومهيمن عليها من قوى خارجية وربما من أعدائها مباشرة، إنها لا تملك حرية الفكر والتفكير ولا حرية الإرادة والقرار، فهي حقيقة محتلة لأنها لا تفكر إلا بما يرسم لها الآخر المُحتل أن تفكر فيه، لا تستطيع أن تكون حرة إلا بتحرير عقولها وإراداتها والتخلص من استلاب اراداتها، كي تنطلق إلى فضاء الحرية الفكرية بعيدا عن فكر وثقافة المستعمر الخفي والمستتر لعقولها وإراداتها.

فلسطين نعم وقعت تحت الإحتلال البريطاني الصهيوني منذ قرن كامل، واقام الصهاينة كيانهم الغاصب على أرضها بدعم مطلق من الغرب الإستعماري، لكن الشعب الفلسطيني بقي شعبا حرا غير محتل، يمتلك إرادة حرة وعقولا لم يستطيع الإستعمار المركب والمزدوج الإستيطاني والعنصري أن يحتلها، عقول ابنائها بقيت حرة ترفض كل أشكال الإستعمار والهيمنة، لذا صمد وقاوم الشعب الفلسطيني واستمر متشبثا بكامل حقوقه في وطنه رغم ضعف امكانياته المادية أمام الإمكانيات المادية للعدو، جيلا بعد جيل، لن يسمح لهذا العدو أن يهنأ في اغتصابه لوطنه، ويأتيك بعضٌ ممن يعتقدون أنهم ناصحون وغيورين على الشعب الفلسطيني وقضيته، فيعيبون عليه أنه قد أضاع الفرص، فرصة تلوَ الأخرى لنيلِ بعض حقوقه، ويرددون اقوال العدو في هذا الشأن  كالببغاواة، كأن العدو قد اتاح أي فرصة من الفرص، متناسين أن الشعب الفلسطيني قد مدَّ يده للسلام في أكثر من محطة وفي أكثر من موقف، لقد قبل الفلسطينيون مبادرة الملك فهد رحمه الله سنة 1982م التي اعتمدت حينها في القمة العربية المنعقدة في مدينة فاس، ثم شاركوا في مؤتمر مدريد للسلام سنة 1991، ووقعوا اتفاق اوسلو في واشنطن سنة 1993 على أساس أن تبدأ المفاوضات حول قضايا المرحلة النهائية في السنة الثانية لتطبيق اتفاق اوسلو للحكم الذاتي على أن تنتهي في غضون خمس سنوات أي في العام 1999م وتتوج بإتفاق سلام وتسوية نهائية، أين نحن اليوم من ذلك، كما قبل الفلسطينيون بمبادرة الملك عبدالله والتي اعتمدت كمبادرة سلام عربية في قمة بيروت عام 2002 وقبلوا بخطة خارطة الطريق وبكل القرارات الدولية الصادرة عن الجمعية العامة وعن مجلس الأمن.

هل يستقيم القول بعد كل هذه المواقف وهذه السنوات أن يأتي من يقول أن الفلسطينيين قد ادمنوا لعبة تفويت الفرص بسبب رفضهم لصفعة العصر الأمريكية؟!

الفلسطينيون يؤمنون بمبدأ خذ وطالب ولا يحتاجون من يعطيهم دروسا في السياسة، لذا اقروا برنامجهم السياسي النضالي المرحلي منذ العام 1974 م ودعي على أثره المرحوم ياسر عرفات إلى إلقاء خطابه أمام الجمعية العامة، وقال قولته المشهورة (جئتكم ببندقية الثائر بيد وبغصن الزيتون بيد، فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي).

لم يضيع الفلسطينيون أي فرصة حقيقية للسلام، لكنهم يرفضون الإستسلام لعدوهم، لأنهم يمتلكون عقولا حرة لم يستطيع الإحتلال فرض إحتلاله عليها، كما يملكون إرادة حرة لم يستطيع الإحتلال استلابها، فهم يمتلكون مخزونا هائلا من الكرامة والإرادة الحرة والصلبة والعقول الحرة العصية على الهيمنة والإحتلال والإستلاب، تمكنهم من مواصلة رفض كافة المشاريع التصفوية لقضيتهم، وتمكنهم من مواصلة الصمود والتصدي والمقاومة حتى ينتزعوا كامل حقوقهم الوطنية في وطنهم غير منقوصة.

الإحتلال هو إحتلال العقول قبل إحتلال الحقول، وهذه التي لم ولن يتمكن منها العدو الصهيوني، وهذا ما يقلقه ويؤكد له أن إحتلال للأرض وللحقول فقط وهذا إحتلال لابد زائل طالما بقيت العقول الفلسطينية حرة والإرادة الفلسطينية حرة وعصية على الإحتلال والإنكسار والإستسلام، وهي الحصن الحصين الذي يتحصن فيه الشعب الفلسطيني في وطنه وفي الشتات.
وللحديث بقية..!

* عضو المجلس الوطني الفلسطيني - الرياض. - pcommety@hotmail.com