2020-01-28

ابو مازن اقوى من التهديد..!


بقلم: عمر حلمي الغول

مرت العلاقات الفلسطينية الأميركية الحديثة نسبيا بعدة مطبات ومنعطفات خلال العقود الماضية، رغم ان القيادة الفلسطينية حرصت على إبقاء الأبواب والنوافذ مفتوحة مع الإدارات الأميركية المتعاقبة منذ عام 1988 عندما جرى اول إتصال رسمي في تونس، وسعت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ممثلة بشخصي الرئيسين الراحل ياسر عرفات، والحالي محمود عباس إلى تعزيز العلاقات الثنائية، أولا كون الولايات المتحدة القطب الدولي الأول عالميا؛ وثانيا لإنها الممسكة بالملف الفلسطيني الإسرائيلي؛ وثالثا كونها الحليف الإستراتيجي لدولة الإستعمار الإسرائيلية، والأقدر على التأثير على صانع القرار في الدولة العبرية؛ رابعا ورغبة من القيادة الفلسطينية في بناء عوامل الثقة مع صناع القرارات والدولة العميقة في أميركا، ومد الجسور مع الشعب الأميركي ونخبه السياسية؛ خامسا لتوسيع دائرة إطلاع الأميركيين على الرواية الفلسطينية، التي كانت شبه مغيبة تماما، ولدحض الرواية الإسرائيلية الصهيونية المزيفة النافذة والمسيطرة في الساحة الأميركية؛ سادسا ولإن القيادات الفلسطينية ليست معنية ببقاء الباب مغلقا مع الولايات المتحدة، وكونها معنية بكسب كل شعوب الأرض لصالح الحق الفلسطيني، وفي الطليعة منها الأقطاب الدولية المؤثرة في هندسة السياسات الدولية؛ سابعا كون اميركا، هي التي رعت إتفاق أوسلو في 13 ايلةل/ سبتمبر 1993 بين منظمة التحرير ودولة الإستعمار الإسرائيلية.

ورغم معرفة القيادة الفلسطينية بطبيعة العلاقات الإستراتيجية بين الولايات المتحدة ودولة الإستعمار الإسرائيلية، إلآ إنها حرصت على زحزحة الموقف الأميركي خطوة للإمام لصالح دفع عملية السلام. ولم تثنِ المواقف الأميركية السلبية القيادة الفلسطينية عن إصرارها على إبقاء الجسور مفتوحة مع الإدارات المتعاقبة. وحتى عندما وصل الرئيس دونالد ترامب لسدة الرئاسة مطلع عام 2017، ورفض إستقبال التهنئة من الرئيس ابو مازن، لم تتخذ القيادة موقفا عدائيا من ذلك، وتمكنت بفضل جهودها الحثيثة، ومن خلال الأصدقاء المشتركين للإدارة الترامبية من فتح نافذة بعد خمسين يوما من توليها مهامها الرئاسية، ثم فتحت الأبواب، والتقى الرئيسان ترامب وعباس اربع مرات، قبل أن توصد الإدارة الأبواب بعد إعلان الرئيس الأميركي عن إعترافه بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل، وما تلا ذلك من إصدار المراسيم والقرارات المتوالية والمعروفة ضد المصالح والحقوق السياسية الفلسطينية. وبالتالي من أغلق الباب عن سابق عمد وإصرار هي إدارة ترامب، لإنها حاولت فرض إملاءاتها على القيادة الفلسطينية للقبول بجريمة العصر الجديدة (صفقة القرن).

وفي سياق ممارسة البلطجة الأميركية، وعشية الإعلان عن الشق السياسي للصفقة المشؤومة، حاول الرئيس ترامب إجراء إتصال مع الرئيس ابو مازن، لإيقاعه في شرك الصفقة المرفوضة. غير ان رئيس منظمة التحرير رفض إستقبال أي إتصال من قبل الرئيس ترامب، لإنه يدرك هدف ومآل ذلك الإتصال، حيث أراد ان يوهم الشعب الفلسطيني والرأي العام العربي والعالمي ان رئيس الشعب الفلسطيني على إطلاع على الصفقة، وانه "موافق" عليها، او لم يرفضها، ولديه الإستعداد للتعامل مع إفرازاتها ونتائجها!؟

وبعد رفض الرئيس عباس إستقبال مكالمات سيد البيت الأبيض، ارسل الأميركيون رسالة لرئيس الدولة الفلسطينية المحتلة، بأنه سيتحمل نتائج ذلك الرفض. وهو ما يعني تهديد شخصي ووطني للرئيس ابو مازن. ولكن رئيس حركة التحرر الوطني الفلسطينية، وحامل راية الأهداف الوطنية، والمشروع الوطني التحرري لم يبالِ بالتهديد. لإنه المؤتمن على مصالح وحقوق الشعب العربي الفلسطيني. وكونه لم يرفض الإتصال إمعانا في القطيعة مع الإدارة الأفنجليكانية، انما لإنه يعرف أهدافها، وكونها أمست منذ نهاية 2017 شريكا مباشرا في الحرب على الحقوق والمصالح الوطنية الفلسطينية. ولم تراجع موقفها المتناقض لمرجعيات عملية السلام، ولقرارات الشرعية الدولية، والمنقلب على سياسات الولايات المتحدة ذاتها منذ التوقيع على إتفاقيات أوسلو قبل 26 عاما خلت.

بإمكان الرئيس ترامب وإدارته ارتكاب أي جريمة ضد شخص الرئيس ابو مازن، وضد الشعب العربي الفلسطيني، ولكنه لن يستطع إرغام الشعب والرئيس والقيادة الفلسطينية من القبول والإذعان لإملاءاته العدوانية والمعادية للسلام والحقوق الوطنية الفلسطينية. وكان رئيس منظمة التحرير أعلن عشرات المرات، انه لن ينهي حياته خائنا لإهداف ومصالح وحقوق شعبه، ولن يكون أقل دفاعا عن تلك الحقوق من الرئيس والزعيم الراحل ابو عمار. الذي إغتالته يد الغدر والجريمة الإسرائيلية بضوء أخضر أميركي.

وعليه فإن تهديد ترامب لإبو مازن سيذهب أدراج الرياح، ولن يتمكن من ثني الشعب الفلسطينية وقياداته الحالية أو اللاحقة من التنازل عن ازالة الأحتلال الإستعماري الإسرائيلي كاملا عن كل الأراضي الفلسطينية المحتلة في الخامس من حزيران/ يونيو 1967، وإستقلال وسيادة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية على تلك الحدود، وضمان حق العودة للاجئين الفلسطينيين على اساس القرار الدولي 194، والمساواة الكاملة لإبناء الشعب الفلسطيني في الجليل والمثلث والنقب والمدن الساحلية المختلطة. وهذا اكبر تنازل في التاريخ تقدمه القيادات الفلسطينية لبلوغ السلام الممكن والمقبول، ولا يمكن ان تتنازل عن مليمتر آخر، أو عن حق من الحقوق المتوافقة مع قرارات الشرعية الدولية وآخرها قرار مجلس الأمن الدولي 2334 الصادر في 23 كانون أول/ ديسمبر 2016، اي عشية تسلم الرئيس ترامب لمهامه الرئاسية. وليذهب ترامب وتهديده إلى الجحيم، فإما السلام الممكن والمقبول المحدد آنفا، وأما مواصلة الكفاح حتى التحرير.

* كاتب فلسطيني يقيم في مدينة رام الله. - oalghoul@gmail.com