2019-12-25

المعركة ضارية امام الجنائية الدولية..!


بقلم: د. هاني العقاد

بعد قرار المدعية العامة لمحكمة الجنايات الدولية السيدة "فاتو بن سودا" بدا واضحا ان جولة تحقيق واسعة سوف تبدأ في جرائم حرب ارتكبت بحق الفلسطينيين من قبل اسرائيل، ولن يستطيع احد من حلفائها حمايتها او اعاقه هذا التحقيق حتى لو مارسوا كل اشكال التهديد.. قادة سياسيون وعسكريون سيتم استدعاءهم للتحقيق وان لم يمثلوا امام المحكمة، وهذا متوقع، فسوف يحاكمون غيابيا بالاسماء والتي قد تطال كل ما جاء اسمه في ملفات التحقيق دون استثناء حتى لو كان رئيس دولة الكيان، من تولوا رئاسة الوزراء كنتنياهو، من اعطى القرار بالحرب والقتل، وزراء الدفاع كما يسمونهم في اسرائيل، رؤساء الاركان، وزير الامن الداخلي والشاباك ورئيس الامن القومي، ضباط العمليات، الطيارون، قادة المناطق بالجيش، ما يدعى برئيس الادارة المدنية للضفة، وغيرهم من مجرمي الحرب، من خطط ونفذ واعطى الاوامر.. كلهم دون استثناء من انتهكوا القانون الدولي واتفاقيات جنيف الاربع، وضربوا بعرض الحائط كل المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي من شأنها حماية كينونة الانسان مدنيا او حتى عسكريا في ساحة الحرب.

هذا ما نتوقعه في هذه المعركة ان كانت المحكمة عادلة وتنشد العدالة لحماية الانسانية من قتلة يفلتوا من العقاب بسبب غياب الضمير العالمي والانساني وهيمنة امريكا وحلفاء اسرائيل على العدالة الدولية.. انها معركة بكل المواصفات لن تكون سهلة ولن يقف الاسرائيليون مكتوفي الايدي ولن يسلموا انفسهم لتلك المحكمة بل سيحاولوا اعداد ما يقال عنه ملفات للدفاع عن انفسهم وتقديم دفوعات ملفقة تقول انهم كانوا يدافعوا عن اسرائيل وعن مواطنيها امام محاولات فلسطينيين لقتلهم وتشتيتهم وتهجيرهم وارعاب ابنائهم.. معركة كبيرة سيخوضها الفلسطينيون عنوانها محاسبة مجرمي الحرب الاسرئيليين على كل ما اقترفوه من جرائم بحق الانسانية على مدار عقود من الصراع.. معركة سيخوضها الفلسطينيون بعد ان قدموا خمسة ملفات كبيرة للجنائية الدولية منذ خمس سنوات في كل القضايا التي تثبت كل المعايير الدولية والقانون الانساني والدولي وبنود اتفاقيات جنيف انها جرائم حرب دون ادنى شك.

استعدادا للمعركة منح الرئيس ابو مازن كامل الصلاحيات للفرق المختصة من اجل التحضير للعمل القانوني بهدف استكمال ملفات المحكمة الجنائية الدولية وتشكيل الفرق في كافة التخصصات والتشبيك مع كافة مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني والحقوقية الدولية والعربية بالاضافة الى فريق من المحامين الدوليين بهدف رفع كفاءة الجهوزية للمعركة القادمة امام الجنائية الدولية ولأجل حسابات متعددة منها فبركة اسرائيل ملفات زائفة لمحاولة مقايضة الفلسطينيين واجبارهم على سحب ملفات التحقيق في جرائم مؤكدة ارتكبت بحق المدنيين الفلسطينيين بالرغم من ان اسرائيل ليست عضوا بالجنائية الدولية ولا يحق لها تقديم تلك الملفات مباشرة لكنها في اطار تقديم دفوعات للمحكمة.

قد تلجأ اسرائيل الى اكثر من ذلك، وهو تهديد الفلسطينيين بشكل مباشر وخاصة القيادة الفلسطينية بفرض مزيد من الحصار، وقد تلجأ لاعاقة سفر فرق حقوقية او غيرها للخارج لمتابعة التحقيق ومجرياته هناك، بل وسوف تمنع اسرئيل فرق القضاة والمحققين الدوليين من الوصول الى مسرح الجريمة لاستكمال التحقيق مما قد يؤخر صدور الاحكام، وبهذا تكون اسرائيل افصحت عن السيناريو الذي قد تلجأ اليه للافلات من العقاب وحماية قادتها وضباط جيشها، وهو اطالة فترة التحقيق الى زمن طويل جدا حتى تتمكن من ايجاد المخارج المناسبة للدفاع عنهم وحمايتهم.

لعل معركة الفلسطينيين امام الجنائية الدولية معركة ضارية وطويلة ومعقدة في ذات الوقت تحتاج الي اسناد دولي واقليمي عبر اشراك متطوعين ومناصرين للقضية الفلسطينية من اتحادات المحامين العرب والدوليين والمختصين في القانون الدولي لتشكيل جبهة اسناد قانوني متخصصة واسعة تعمل ضمن غرفة قانونية موحدة لتقدم الخبرات القانونية اللازمة ولتصنف الحقائق الداعمة لمقاضاة مجرمي الحرب الاسرائيليين، بل وتشارك الفلسطينيين في متابعة التحقيق مع الاسرائيليين في الجنائية وخاصة ارتكاب اسرائيل للجرائم بعد توقيعها على اتفاقات سلام مع بعض الدول العربية ومنظمة التحرير الفلسطينية وتفلتها من صناعة السلام مع الفلسطينيين وعدم الرغبة في التقدم لحسم وانهاء الصراع بالرغم رغبة الفلسطينيين في ذلك على اساس قرارات الشرعية الدولية والمرجعيات التي حددتها اطراف دولية عديدة لحل الصراع واهمها حل الدولتين.

انها المعركة الكبيرة التي يجب ان يحشد لها الفلسطينيون كل الحقائق والوثائق والتوثيقات والشواهد والجهود ويحشدوا الاسناد الخارجي لينتصر فيها الحق والعدل وتنتصر فيها الانسانية على القتل والظلم والاحتلال وينتصر فيها القانون الدولي والشرعية الدولية وتحظى بالاحترام من اطراف الصراع سواسية ولا تنتهك من قبل اي قوى احتلالية بالمستقبل قد تفكر انها ستفلت من العقاب.

انها المعركة الكبيرة التي باتت تعتبر املاً للفلسطينيين لترتدع اسرائيل وتكف عن غيها وجبروتها وتنصاع للقانون الدولي وتحترم قرارات الشرعية الدولية وتحترم اتفاقيات جنيف الاربع وتوفر الحماية للمدنيين الفلسطينيين الواقعين تحت الاحتلال وتوقف الاستيطان وتحترم حقوق الانسان وتقر بحق تقرير مصير الفلسطينيين وتعترف بدولتهم وتتعايش بسلام جنبا الى جنب معهم.

* كاتب فلسطيني يقيم في قطاع غزة. - dr.hani_analysisi@yahoo.com