2019-10-14

عندما تسجل حركة المقاطعة هدفا ذاتيا..!


بقلم: داود كتاب

تابعت بتمعن المقابلة الاذاعية التي اجرها أدهم المناصرة من إذاعة "راية" مع عمر البرغوثي العضو المؤسس لحركة المقاطعة العالمية لإسرائيل "بي.دي.اس" حول القرار السعودي التاريخي للمشاركة في فلسطين بتصفيات كأس العالم 2022 كأس آسيا 2023 في استاد الشهيد فيصل الحسيني بأحد ضواحي القدس التابعة لمناطق السلطة الفلسطينية.

وقد كان البرغوثي صادقا ومنسجما مع ما يمثله عندما أقر بوضوح أن زيارة المنتخب ليست تطبيعا حيث قال "من الناحية التقنية وحسب معايير المقاطعة ومناهضة التطبيع فان قدوم منتخب عربي او أي شخصية عربية من خلال تصريح وليس من خلال فيزا لا يعتبر تطبيعا بحد ذاته."

إلا أن الوجه الإعلامي لحركة المقاطعة سجل هدفا ذاتيا عندما قام بتحويل النقاش الى السياق العام منتقدا ما اعتبره المواقف المزعومة للحكومة السعودية. "لا نستطيع أن نهمل السياق. نتحدث عن نظام سعودي يقوم بالمشاركة والقيادة في تصفية القضية الفلسطينية ومحاولة تمرير صفقة القرن." واستمر البرغوثي بالقول: "نحن في مرحلة خطيرة." كما وقام البرغوثي بتبريرين إضافيين غير منطقيين حيث اعتبر أن فريقا وطنيا يمثل دولة ما يتحمل مسؤولية سياسة تلك الدولة، كما حاول عمر البرغوثي تطبيق منطق غريب بقوله ان نفس الفريق الوطني كان قد "رفض القدوم لفلسطين عام 2015 بسبب شبهة التطبيع."

 ويبدو أن تبريرات البرغوثي كانت تهدف إلى تمهيد الطريق لقرار رسمي صدر عن الحركة فيما بعد والذي جاء فيه "لا يمكن إلا أن نقرأ قدوم المنتخب السعودي، الذي يمثل رسمياً السعودية، إلى فلسطين المحتلة في هذا الوقت تحديداً إلا تطبيعا".

غريب منطق حركة مباركة التف حولها الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج ومؤيدوه في العالم للمطالبة بمقاطعة إسرائيل. وكما قال فيصل الحسيني والذي سيلعب المنتخب على استاد سمي باسمه فإن زيارة السجين ليس تطبيعا ولا يعتبر اعترافا بالسجان. فكيف يمكن مهاجمة فريق قام بالحضور حسب شروط حركة المقاطعة ولم يأتي بفيزا إسرائيلية؟

اعتبار المنتخب السعودي انه مطبع فقط لأنه ينتمي الى المملكة العربية السعودية أو لأنه قبل أربعة أعوام رفض القدوم لفلسطين هو منطق اعوج ويمثل مبالغة غير مقبولة لحركة مباركة يؤمن بها الملايين ولكن يبدو أن القائمين عليها قاموا بخلط الحابل بإلنابل، وأصبح لديهم جنون العظمة الذي أفقدهم البوصلة الوطنية.

ويذكر موقف الحركة الحالي بموقف متناقض مماثل اتخذته قبل عدة أعوام عندما تم معاقبة الممثل الفلسطيني كامل الباشا الحاصل على جائزة مهرجان فينيسيا السينمائي لفيلم "قضية رقم 23" فقد فرضت الحركة مقاطعة عرض الفيلم أمام الجمهور الفلسطيني الذي جاء ليحتفل في رام الله بهذا الإنجاز عام 2017 وذلك لأن مخرج الفيلم زياد الدويري متهم من حركة المقاطعة في الماضي بالقيام بإنتاج فيلم آخر اعتبرته تطبيعا. فكأن الحركة أصبحت تقدم صكوك الغفران وترفض قبول من قام بتغيير مواقفه وأصبح ملتزما بشروط الحركة. فحتى زعيم حركة مناهضة الابرتهايد الافريقي نلسون مانديلا وضع نظام الحقيقة والمصالحة لقبول من يتراجع عن مواقفه السابقة في حين تصر حركتنا الفلسطينية على معاقبة الناس الى الأبد لخطأ ما في السابق..!

لقد تمادت حركة المقاطعة في بياناتها واتهاماتها بالتطبيع وتجاوزت التفويض الدقيق المقدم لها من مؤسسات المجتمع المدني بدخولها في المجال السياسي بصورة غير مدروسة. ولكن إذا رغبت حركة المقاطعة بالعمل السياسي فمن الضروري أن تسجل كحزب وتستعد للمشاركة في الانتخابات الفلسطينية القادمة.

لحركة المقاطعة شعبية كبيرة محليا وعالميا وأحد أسباب تلك الشعبية هو تركيزها على مبادئ واضحة وعدم الانخراط بالعمل السياسي المدبلج. ولكن هذا التمادي الأخير شكل هدفا ذاتيا قلل من مصداقية الحركة وأضعف الإجماع الهام التي كانت حظيت به في السابق.

* الكاتب مدير عام راديو البلد في عمان ومؤسسة بن ميديا للإعلام التربوي في رام الله. - info@daoudkuttab.com