2019-09-25

السعودية وفلسطين والمتغير الثابت..!


بقلم: د.ناجي صادق شراب

لا تقاس سياسة السعودية إزاء القضية الفلسطينية بحجم المساعدات المالية التي قدمتها في شتى صورها وخصوصا دعمها الثابت لموازنة السلطة، والتي بلغت منذ سنة 2002 حوالى ستة مليارات دولار، ولكنها تقاس بالموقف السياسي الثابت من دعم القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني وإعتبارها القضية الأم،والثابت الذى لا يتغير كما جاء في العديد من التصريحات السياسية على كافة المستويات بدءا من مواقف الملك سلمان بن عبد العزيز، الذى تربطه حالة تاريخية خاصة بالقضية الفلسطينية وعلاقة مميزه مع الرئيس محمود عباس.

وتقاس أيضا بمؤشر الثبات في السياسة السعودية، والمقصود به تتبع مواقف وسياسة السعودية منذ نشأة القضية حتى اليوم والوقوف على هذا الثابت والتغير الذي لحق به.

المتتبع تاريخيا يلاحظ هذا الثبات في السياسة السعودية منذ المؤسس الملك عبد العزيز بن سعود، حتى الملك سلمان، وهذا لا يمنع ان يكون للسعودية رؤيتها ومواقفها السياسية، وكيف ترى مصلحة القضية الفلسطينية.

وقبل الحديث عن هذا الثابت التاريخي يجدر بنا ان نشير ماذا تعني السعودية للقضية الفلسطينية؟

أولا، السعودية ليست مجرد دولة عادية، بل هي دولة محورية وفاعلة في كافة مستويات القرار السياسي الذي تحتاجه القضية الفلسطينية خليجيا وعربيا وإسلاميا ودوليا. فالسعودية تعتبر دولة قوة قرار.

وثانيا، العلاقات القوية التي تحكم علاقة السعودية بالولايات المتحدة وهي الدولة المحتكرة للعملية السياسية ، وهذه العلاقة كفيلة بتغيير او على ألأقل تعديل مواقف الإدارة من اى مبادرة، ولذلك لا نذهب بعيدا إذا قلنا ان صفقة القرن رهن بالموقف السعودي رفضا وقبولا.

ولا تتوقف هذه العلاقات مع الولايات المتحده بل مع روسيا والصين وأوروبا والعديد من الدول.

وثالثا، السعودية دولة نفطية وإقتصادية وهذا يعني قدرتها على التحكم بالقرار الإقتصادي العالمي ، وهذه القوة لا يمكن تجاهلها في الموقف السياسي السعودي وفاعليته.

ورابعا، كون السعودية دولة قوية إقتصاديا فهذا يساهم كثيرا في تقديم الدعم المالي اللازم والضرورى لصمود الشعب الفلسطيني.

وخامسا، الحديث عن موقف السعودية يعني الموقف العام والشامل من القضية الفلسطينية ولا يرتهن بالموقف من فصيل فلسطيني معين، فإذا حدث توتر او موقف معارض من فصيل معين لا يعني ذلك تخلى السعودية عن القضية الفلسطينية، وهذه نقطة في غاية الأهمية

.ومن مؤشرات العلاقات مستوى الزيارات التي تتم على مستوى القيادة، فلا شك هذا المؤشر قائم وثابت والرئيس محمود عباس دائم الزيارة للسعودية وخصوصا كلما إشتدت الأعاصير السياسية التي تهب على القضية الفلسطينية.

الموقف الآخر المعبر عن هذه السياسة القرارات والسياسات التي تتخذها المملكة على كافة مستويات المنظمات الدولية والإقليمية كالأمم المتحده والجامعة العربية، وكلها توضح وتؤكد على محورية القضية الفلسطينية، وتاتي في سياق الدعم للقضية الفلسطينية.

وتاريخيا وهو المؤشر الحقيقي لصدقية السياسة السعودية تجاه القضية الفلسطينية وهذا الموقف التاريخي الثابت إرتبط منذ تأسيس السعودية، ورغم إنشغالها بتأسيس الدولة والضغوطات التي كانت تمارس عليها لم تتخل عن القضية. وأبرز المواقف التاريخية إستجابة الملك عبد العزيز بن سعود لطلب مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني في الثلاثينيات من القرن الماضى المساعدة ضد الحملة الصهيونية الإستيطانية، فأرسل له أكثر من ثلاثة ألف جندي ومقاتل كانت السعودية وقتها في أشد الحاجة لهم لحماية تأسيس المملكة، وكميات من الذخيره. ولكل ملك من ملوك المملكة مواقفه وتصريحاته المعبرة عن هذا الدعم والثبات في السياسة السعودية تجاه القضية ، وهذا مؤشر في غاية ألأهمية وتقاس به سياسات الدول، فعادة على مستوى الدول قد تتباين سياساتها بتغير حكامها، وفي الحالة السعودية الالتزام والثبات واضحين.

ففى عام 1949أرسل الملك عبد العزيز رسالة واضحة لبريطانيا الدولة المنتدبة على فلسطين استنكارا لرمي يهود قنابل على المسلمين وفى حرب 1948 قاد الملك عبد العزيز حملة ضد الحكومتين الأمريكية والبريطانية وحملهما مسؤولية ما يجري في فلسطين، وفتح باب التطوع أمام السعوديين.وعارض هجرة اليهود لفلسطين.

وفى رده على تشيرشل، رئيس وزراء بريطانيا آنذاك، قال: إن ما تطلبه منى ليس مساعدة لإنجلترا أو الحلفاء، لكن بالنسبة لي عمل من أعمال الخيانه لرسول الله ولكل المسلمين، ولو أنني أقدمت على ما طلبتم لأضعت شرفي ودمرت روحي، وأنا لا أوافق على التنازل للصهيونية.

وأرسل رسالة إلى الرئيس ألأمريكي في حينه، روزفلت أن خطر الصهيونية في فلسطين لا يعني خطرا على فلسطين وحدها بل على سائر البلاد العربيه.

الملك سعود كان أول أمير يزور القدس ويصلي في مسجدي الأقصى والإبراهيمي لمساعدة الشعب الفلسطيني. وما زال تصريح للملك فيصل يشكل ركيزة للسياسة السعودية وهو "أننا نعتبر قضية فلسطين قضيتنا وقضية العرب الأولى. وأن فلسطين بالنسبة لنا أغلى من البترول كسلاح في المعركة إذا دعت الضرورة لذلك." وهو ما حدث وان "الشعب الفلسطيني ينبغي ان يعود لوطنه لو كلفنا ذلك أرواحنا جميعا".

والملك فهد صاحب المبادرة العربية للسلام الشهيرة التي وضعت أسس ومرجعية للسلام وما زال الفلسطينيون والعرب يتمسكون بها فى وجه صفقة القرن، وتبنتها الجامعة العربية في قمة بيروت عام 2002ـ والملك عبد الله صاحب مبادرة مصالحة مكه بين فتح وحماس وعدم الإلتزام بها فلسطينيا.

والملك سلمان اليوم مواقفه واضحه وثابته في دعم القضية الفلسطينية، وإطلاقه قمة القدس على قمة الظهران العربية رسالة واضحه برفض قرارات الإدارة ألأمريكية بشأن القدس، وإلتزامه الداعم لموازنة السلطة الوطنية ودعم وكالة غوث اللاجئين.

هذه القراءة التاريخية والسياسية توضح لنا ثبات السياسة السعودية في دعم القضية الفلسطينية وهذا الدعم لا يرتبط بمواقف الأطراف الفلسطينية ذاتها. وتبقى القضية الفلسطينية في حاجة لدور السعودية، كما حاجة السعودية للقضية الفلسطينية لما لها من مكانة دينية ووطنية وقومية. هذا ون الحرص على دور السعودية والحفاظ عليه ينبغي ان يشكل مصلحة فلسطينية عليا، وان لا يخضع لمواقف سياسية متغيره ولمواقف فصائلية ضيقة. ولحسابات إقليمية ودولية.

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@gmail.com