2019-09-25

خطاب العصا الغليظة..!


بقلم: عمر حلمي الغول

من إستمع أمس الثلاثاء الموافق 24/9/2019 لخطاب الرئيس الأميركي، دونالد ترامب في الجلسة الإفتتاحية للدورة الـ74 للجمعية العامة للأمم المتحدة، شعر أنه يستمع لخطاب لا ينم عن حكمة سياسية، ولا عن دراية وخبرة في إدارة العلاقات الدولية مع أقطاب ودول العالم. جاء خطاب سيد البيت الأبيض منفرا، ومتعاليا ومتغطرسا، وإستفزازيا. حملت كل جملة فيه (الخطاب) عصا غليظة ألقاها في وجه دول العالم مع إستثناءات ضيقة جدا، عندما أعلن بالفم الملآن، ان أميركا تملك أكبر جيش في العالم، وأنها إسثمرت مؤخرا ما يزيد على 2 تريليون دولار أميركي لتحديث أسلحته النووية والهيدروجينية والكيميائية والجرثومية والنانوية والتقليدية، وأكد انه لا يتمنى أن لا يستخدم هذة الأسلحة ضد شعوب ودول العالم. وكأنه يقول للدول وزعمائها، عليكم الإصغاء لصوت القوة الأميركية، وتنفيذ أجندتها دون تردد، وإياكم تجاوز معايير شرطي العالم. نحن سادة الكون، وعليكم الطاعة بصمت. وتجاهل من حيث يدري او لا يدري ان هناك 14 دولة تملك الأسلحة النووية، وبعضها وخاصة روسيا الإتحادية تفوق قدرتها النووية ما لدى البنتاغون.

وتابع الرئيس الـ45 أو الـ44 لا فرق حربه التجارية المعلنة على جمهورية الصين الشعبية منذ مايو/ ايار 2018، مهددا الصين بالمزيد من فرض الرسوم الجمركية. وذلك بهدف كسر إرادة المارد الصيني، ورد الأزمة الإقتصادية للمنافس الأول للإقتصاد الأميركي، الذي تقدم بخطى حثيثة إلى المرتبة الثانية عالميا، وهناك بعض التقديرات الخبيرة، تقول أن الصين أمست الإقتصاد الأول عالميا. وتجاهل رجل العقارات النتائج السلبية، التي حملتها حربه الإقتصادية على الصين، وإردادتها العميقة في الداخل الأميركي، حيث من المفترض ان يدخل مع الإقتصاد العالمي برمته في العام القادم 2020 في أزمة كارثية، وفق العديد من الخبراء الإقتصاديين، قد تكون الأكثر ركودا وخطورة على العالم، وتحمل في طياتها نذر حرب عالمية. لا سيما وان نسبة المديونية العالمية تضاعفت زيادة عن الناتج المحلي العالمي للدول بـ318%، ووصلت إلى 244 تريليون دولار أميركي خلال الربع الثالث من عام 2018 بزيادة نسبية 12% عن عام 2016. وتجاوزت نسبة المديونية الأميركية الداخلية والخارجية  الـ22 تريليون دولار، والمديونية الصينية بلغت 14 تريليون دولار. رغم ان الإقتصاد الأميركي شهد إنتعاشا نسبيا خلال العامين الماضيين. ولكنه إنتعاش شكلي، ومؤقت، وتضليلي.

كما وتحدث عن الأزمة مع إيران الفارسية، وأكد انه لن يسمح لها بالحصول على السلاح النووي. ورحب بإعادة النظر بإتفاق 5+1 الذي وقع عام 2015. وأعتقد ان الحديث عن إيران الملالي ليس سوى ذر الرماد في العيون، ولم يحمل جديدا بالمعنى الدقيق للكلمة، ولم يلوح لإيران بأية تهديدات تضر بالعلاقات المشتركة بين البلدين، وحتى وان كان مظهرها المعلن "العداء"، لكن باطنها التوافق على إستنزاف العرب، ومص دمائهم وثرواتهم، ووضعهم في اسفل السلم العالمي.

وعلى الصعيد الأوروبي، مارس صاحب الشعر الأصفر التحريض المباشر على الإتحاد الأوروبي، ووعد بريطانيا في حال خروجها من الإتحاد بإبرام إتفاق معها لتعزيز إقتصادها، ومكانتها، وتعويضها اية خسائر قد تمنى بها نتاج مغادرة الإتحاد الأوروبي. وهو ما يشير إلى ان الرئيس ترامب يعمل بشكل حثيث لتفكيك الإتحاد الأوروبي، ويخشى إستمراره، وقوته الإقتصادية والثقافية، ويريد دول أوروبا تابعة للمشيئة الأميركية، وتدفع الجزية لراعي البقر الأميركي، وهذا ما اشار له، عندما قال نحن نملك اعظم قوة عسكرية في العالم، ولكن لن ندافع عن احد بالمجان، وعلى من يريد مكساندتنا له، ان يدفع الفاتورة، وهي رسالة واضحة الدلالة لقادة أوروبا.

وعن الملف العربي الإسرائيلي لم يتطرق للسلام الفلسطيني الإسرائيلي، انما طالب بما تريده دولة الإستعمار الإسرائيلية، وهو التطبيع المجاني مع الدول العربية دون الإلتزام بإستحقاقات التسوية السياسية، ودون منح الشعب العربي الفلسطيني الحد الأدنى من حقوقه ومصالحه الوطنية. ولم يشر طبعا لصفقته المشؤومة، لإنه لا يملك ما يقوله في ضوء نتائج الإنتخابات الإسرائيلية، كون مستشاره المستقيل، غرينبلات، لم يخلص من زيارته الوداعية لإسرائيل لإية نتيجة تساعد الإدارة الأميركية على التفاؤل بنشر الشق السياسي من صفقة القرن، والتي أمست مؤجلة إلى أجل غير مسمى، إن لم تكن قد دفنت إلى البد شاء ترامب أم أبى.

خطاب الرئيس ترامب أمام الجمعية العامة بعيد كل البعد عن معايير وقيم السياسة الدولية، وفيه بلطجة واضحة، وغطرسة عكست شخصيته النرجسية تماما. وبدا كأنه جاء ليملي على العالم عصا الطاعة، وليس لينشر التعاون والتكامل والتسالمح بين الدول والشعوب، وتعاونها على مواجهة التحديات الخطيرة، التي تهدد البشرية كلها. الأمر الذي يتطلب من زعماء أميركا في الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وفي المجلسين البرلمان ومجلس الشيوخ وباقي المؤسسات والكارتيلات والمعاهد المؤثرة في صناعة القرار الأميركي التصدي للإخطار التي يحملها الرئيس ترامب على الولايات المتحدة خصوصا والعالم عموما.

* كاتب فلسطيني يقيم في مدينة رام الله. - oalghoul@gmail.com