2019-09-19

ضم الضفة الغربية والإستراتيجية الفلسطينية..!


بقلم: د.ناجي صادق شراب

تصريحات بنيامين نتنياهو وليست الوحيدة التي تصدر من قادة إسرائيل بضم أجزاء من الضفة الغربية وخصوصا المنطقة "سي" وغور الأردن وشمال البحر الميت، ليست مجرد تصريحات عابرة، وليست مرتبطة بإعتبارات إنتخابية، بل تعبر عن قناعات سياسية وأيدولوجية تنطلق من فرضيتين أساسيتين: أولا إعتبار الضفة الغربية جزء من المشروع الصهيوني، وهي أرض "يهودا والسامرة"، ولذلك ما تقدمه إسرائيل للسلطة الفلسطينية يعتبر تنازلا منها، وعليه لا تعتبر نفسها دولة محتلة. والفرضية الثانية عدم القبول بدولة فلسطينية ملاصقة ومتداخلة وغالقة لحدود إسرائيل.. الفكر الليكودي يرفض فكرة الدولة الفلسطينية في الضفة الغربية.

والسؤال لماذا الضفة الغربية؟ ولماذا منطقة الغور وشمال البحر الميت والمنطقة "سي"؟ بالإضافة إلى الإعتبارات الأيدولوجية والعقيدية التي تشكل المرجعية السياسية لكل الحكومات والأحزاب في إسرائيل والتي تعتبر الإستيطان حق ولا يمكن المساس به؟

هناك الإعتبارات الأمنية والإستراتيجية والجيوسياسية والإقتصادية والمائية التي تشكلها المنطقة المنوي ضمها. فمنطقة غور الأردن وما تشكله من مساحة حوالي 30 في المائة من مساحة الضفة الغربية فضلا عن أهميتها المائية والإقتصادية، مع منطقة شمال البحر الميت تعني فصل العمق السكاني والجغرافي بين فلسطين والأردن، وهذه أحد الأهداف الإستراتيجية لإسرائيل، كما في غزة، خلق جيتو خلق جيتو آخر في الضفة الغربية بغلق حدود كل السلطة الفلسطينية ومن ثم التحكم في كل مناقذها، وإخضاعها لمشيئة القرار السياسي والعسكري الإسرائيلي. ومن ناحية أخرى فصل كامل لأي إمتداد بشري مع الفلسطينيين في داخل إسرائيل وهم يشكلون خمس السكان.

ما يقلق إسرائيل العنصر السكاني الفلسطيني وخصوصا ربطه بالإمتداد السكاني سواء في الأردن أو في داخل إسرائيل، هذا العنصر السكاني لو توفرت له الدولة فسيشكل الخطر الحقيقي الذي سيواجه إسرائيل، ولن تجدي معه كل قوة إسرائيل حتى النووية، وسيؤول في النهاية لدولة واحدة..!

ماذا يعني الضم من منظور فلسطيني؟ مستقبل فلسطين مرتبط ومرهون بالضفة الغربية لما تمثله من أهمية إستراتيجية وسياسية للدولة الفلسطينية، فهي منطقة القلب والرئة التي يتنفس منها الفلسطينيون، فلا مستقبل سياسي للسلطة الفلسطينية، بل الضم يعني سقوطا آليا لهذه السلطة التي لم يعد لها مبرر.. ولا مستقبل سياسي لغزة لأنها ستبقى جزءا هامشيا معزولا لا يشكل أي أهمية إلا بحجم سكانه.. ولا مستقبل سياسي للشعب الفلسطيني في الشتات وفي الداخل، وسيعني نهاية أبدية للدولة الفلسطينية، وإحتلال وسيطرة دائمة للشعب الفلسطيني من قبل إسرائيل..!

الضم يعني إلغاء لكل قرارات الشرعية الدولية، وقرارات الأمم المتحدة التي أعتبرت الإستيطان غير مشروع، وخصوصا القرار 2334 الصادر عن مجلس الأمن والذي أعتبر الإستيطان في الاراضي الفلسطينية غير شرعي.

الضم يعني تنفيذ صامت لـ"صفقة القرن"، فبعد ضم الجولان يأتي الدور على الضفة الغربية، والضم يعني ضربة قاصمه لـ"المبادرة العربية" ودفنها من قبل إسرائيل، فهي ضربة للسياسة والكرامة العربية، ولكل القرارات التي صدرت عن القمم العربية وقمة منظمة التعاون الإسلامي، وتأكيد على مفهوم الوطن البديل الذي يؤمن به الفكر الليكودي.

من هذا المنظور تبدو خطورة الضم. والسؤال ما هي تداعياته ومخاطره؟

هذه التصريحات ستعيد المنطقة كلها وبشكل قوي إلى مواجهة من العنف والعنف المسلح، وستقوي من موقف كل القوى المقاومة، وستعرض السلطة الفلسطينية إلى ضغط شعبي كبير يفرض عليها التخلي عن سياسة وإستراتيجية التوازن مع إسرائيل بالتقليص المتدرج والإنتقائي للإتفاقات الموقعة. وسيخلق قوة شعبية تدعم موقف المقاومة ومنطقها، وسيسقط نهائيا منطق التمسك بالمفاوضات كخيار حتمي لتسوية الصراع، وفي الوقت ذاته قد يوفر زخما وتأييدا للسلطة الفلسطينية في موقفها الرافض لـ"صفقة القرن"، وجدوى التفاوض مع حكومات يمينية تقود إسرائيل والمنطقة كلها إلى خيارات الحرب وعدم الاستقرار.

هذه النية بالضم تحتاج إلى إستراتيجية إستباقية من قبل السلطة، والنأي عن إستراتيجيات الإنتظار، وتبني كافة الإستراتيجيات، ونقل المسؤولية عن تداعيات مثل هذه من نية إسرائيلية إلى مسؤولية عربية وإسلامية ودولية، وبتفعيل دور القرارات الدولية وخصوصا القرار رقم 2334 الصادر عن مجلس الأمن والذي يدعو إلى عدم الإعتراف بالإستيطان الإسرائيلي في الآراضي الفلسطينية، وتفعيل كل قرارات الشرعية الدولية الأخرى في السياق نفسه، وهذا يحتاج إلى إستراتيجية دبلوماسية فلسطينية من الآن.

وفرصة أخرى في الخطاب الذي سيلقية الرئيس محمود عباس أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الشهر، ووضع المجتمع الدولي كله تحت مسؤولياته، وتقديم رؤيته للسلام وأساسها الدولة الفلسطينية على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، والعمل على إنشاء تحالف عربي دولي لمقاومة اي محاولات للضم، وإلى جانب هذه الإستراتيجيات لا بد من تفعيل خيار المقاومة السلمية بكل أبعاده ومستوياته فلسطينيا وعالميا وإنشاء لجنة أزمة فلسطينية يشارك فيها الجميع، والإبتعاد عن العمل الفرد الأحادي ما بين الضفة وغزة، فخطأ فلسطيني واحد من شأنه ان يجهض كل الجهود الفلسطينية.

ولعل الأهم الإعلان الصريح والواضح عن مرحلة الدولة الفلسطينية المراقب في الأمم المتحدة تحت الاحتلال والتقدم بطلب للعضوية الكاملة، وتحديد حدود هذه الدولة وماهيتها إلى الأمم المتحدة، والدعوة لعقد اجتماع للجمعية العامة تحت قانون من أجل السلام للتغلب على الفيتو الأمريكي لنيل العضوية الكاملة للدولة الفلسطينية تحت الاحتلال، والمسؤولية الدولية بإنهاء الاحتلال، عندها يمكن تفعيل سياسة معاقبة إسرائيل على مخالفاتها الدولية.

هذه الإستراتيجيات من شأنها ان تشعر إسرائيل والولايات المتحدة ان لا سلام ولا أمن ولا إستقرار بدون الدولة الفلسطينية وأن فلسطين ليست مجرد إسم يمكن شطبه.. هي شعب وأرض وتاريخ وهوية..

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@gmail.com