2019-09-16

حماس وإيران: علاقة غير طبيعية..!


بقلم: د. إبراهيم فؤاد عباس

تعود جذور العلاقة بين إيران وحركة "حماس" منذ بداية التسعينيات، تحديدًا في العام 1990 خلال مؤتمر أقامته طهران لدعم الانتفاضة الفلسطينية، وذلك بعد مضي 3 أعوام على تأسيس الحركة.  وشارك في المؤتمر القيادي في الحركة خليل القوقا. وتبع ذلك افتتاح طهران مكتباً للحركة في العام التالي، عيّنت فيه القيادي المبعد عماد العلمي ممثلاً لـ"حماس" في إيران إستجابة لطلب قدمته الحركة لطهران.  في أكتوبر 1992 زار وفد من "حماس" برئاسة موسى أبو مرزوق طهران، والتقى العديد من المسؤولين الإيرانيين على رأسهم المرشد الأعلى للثورة علي خامنئني، وقائد الحرس الثوري الإيراني حيث جرى التوافق على رفض ومواجهة مفاوضات السلام العربية – الفلسطينية – الإسرائيلية، ومن ثم الاتفاق بين الجانبين على مواصلة التشاور والتنسيق بهذا الشأن. وحصلت "حماس" خلال الزيارة على موافقة إيران على تقديم المساعدة لها لإنشاء محطة إذاعة تحمل اسم حماس. كما أوضحت المصادر في حينه انه جرى اجتماع بين الوفد المذكور ووفدًا من حزب الله برئاسة أمينه العام حسن نصر الله الذي كان هو الآخر في زيارة لطهران في غضون الوقت نفسه، وتم الاتفاق على التعاون بين الجانبين واستضافة عناصر من "حماس" في مراكز وقواعد تابعة لحزب الله في لبنان. كما ترددت المعلومات أن إيران وعدت "حماس" بتقديم مساعدات مالية كبيرة، وتدريب عناصرها في إيران ولبنان. ووصلت العلاقة بين طهران و"حماس" إلى ذروتها عام 2007 إلى حد تغني رئيس المكتب السياسي السابق لحركة "حماس" خالد مشعل في ذلك العام في لقاء له مع نجل الإمام الخميني بالقاهرة بقوله: "أن حماس هي الإبن الروحي للإمام الخميني"..!

وشهدت العلاقة بين الجانبين منذ ذلك الحين العديد من التطورات التي لم تكن جميعها إيجابية،  لاسيما وأنها اثارت العديد من التساؤلات: هل هي علاقات برجماتية أم إستراتيجية؟ وهل هي علاقات تبعية أم علاقات محورية؟ وهل الدعم الذي تقدمه طهران لـ"حماس" يتساوى مع الدعم الذي تقدمه لحزب الله أو الحوثيين أو الحشد الشعبي؟ وما هو المقابل الذي يتعين على "حماس" تقديمه لطهران لتسديد فاتورة هذا الدعم؟

لم يمض وقت طويل عندما اتضح أن "حماس" أصبحت الذراع المسلح لإيران والباب الذي تسعى الثورة الإيرانية أن تعبر منه إلى الضفة الغربية وغزة، ولم يمض وقتًا طويلاً بعد ذلك عندما اتضح أن طهران لعبت دورًا كبيرًا في ترسيخ الانقسام بين "فتح" و"حماس".

وفي الإجابة على تلك التساؤلات يمكننا أن نضيف  أيضًا أن الغزل الإيراني الحمساوي جاء بعد تراجع العلاقات الإيرانية مع منظمة التحرير الفلسطينية ومع "فتح"، بالرغم من الدعم الذي قدمته المنظمة و"فتح" لثورة الخميني. ولا ينبغي أن ننسى أن الخميني عاد من منفاه في فرنسا مع ياسر عرفات في نفس الطائرة.

لكن العلاقات الإيرانية مع "حماس" لم تسر على وتيرة واحدة، إذ سرعان ما شهدت موجات من التذبذب وفق مواقف "حماس" من مصالح طهران الحيوية في المنطقة، فكما طلبت إيران من عرفات موقفًا ضد العراق في حرب الخليج الأولى، طلبت من "حماس" موقفا داعمًا  لبشار الأسد مع اندلاع الأزمة السورية عام 2011، لذا توترت العلاقة بين طهران و"حماس" مع بداية هذا النزاع واتخاذ "حماس" موقفا معارضاً  للأسد، ودفع هذا الموقف "حماس" إلى مغادرة قيادتها للعاصمة دمشق في العام 2012. لكن لم يكن الأمر كذلك في الحالة اليمنية التي يبدو من الواضح أن "حماس" رضخت لإرادة إيران وانصاعت لأوامرها في الوقوف إلى جانب الحوثيين لضمان استمرار تلقيها الدعم المالي من طهران.

العلاقات بين إيران و"حماس" سرعان ما شهدت تحسنًا في العام 2017، بعد فتور دام ما يقرب من خمس سنوات. ووصف مسؤولون في "حماس" هذا التطور بأن العلاقات  بين الجانبين "عادت إلى سابق عهدها"، وهو ما أكده عضو المكتب السياسي لـ"حماس" موسى أبو مرزوق، خلال مؤتمر صحفي عقده، على هامش زيارة أجراها على رأس وفد من الحركة لموسكو في يوليو الماضي، بقوله إن "هناك علاقة جيدة بين حماس وإيران". ويرى البعض أن انتخاب يحيى السنوار المقرب من طهران في فبراير 2016 لعب دورًا كبيرًا على صعيد تحسن العلاقات مع طهران.

يمكننا  أن نخلص في ضوء ما سبق إلى إنه يبدو من الواضح أن العلاقة بين طهران و"حماس" علاقة برجماتية، إذ يتعذر تقبل فكرة أن تقوم علاقة وطيدة بين طرفين أحدهما سني متطرف والآخر شيعي أيضًا متطرف.

كما أن بالاستطاعة أن نرى بوضوح أيضًا ضمن المشهد الراهن في المنطقة تحالفًا أو محورًا يضم إيران وحزب الله و"حماس" والحوثيين مع ما يتخلله هذا المشهد من تناقضات، أكبرها ضآلة الدعم الذي تقدمه طهران لـ"حماس" إذا ما قورن بالدعم الكبير الذي تقدمه لحزب الله والحوثيين. وتظل الحقيقة المرئية بأن كل طرف من هذه الأطراف الأربعة يحاول من خلال هذا المحور تحقيق مصالحه الخاصة. لكن في المحصلة تبدو "حماس" الطرف الوحيد الذي لا يتناغم مع تحالف ظاهره المقاومة وباطنه تعزيز التغلغل الشيعي في المنطقة.

* كاتب فلسطيني- الرياض. - ibrahimabbas1@hotmail.com