2019-09-14

ما وراء إستقالة غرينبلات..!


بقلم: د.ناجي صادق شراب

قد تحمل إستقالة جيسون غرينبلات، مبعوث الرئيس دونالد ترامب للسلام في الشرق الأوسط، دلالات عديدة تتراوح ما بين توقيتها ومفاجأتها، وبين الأسباب الحقيقية ورائها، وتداعياتها على مستقبل السلام عامة و"صفقة القرن" خاصة.

الغرابة في الإستقالة توقيتها وليس مضمونها. فأن يقدم إستقالته قبل الإعلان الرسمي عن الصفقة ذهب بالبعض إلى القول أنها تعني فشل مسبق لها، وإنخفاض مستوى التوقعات بالسلام.

وهنا بعض الملاحظات لقراءة سريعة للإستقالة:
أولا انها لا تعني التخلي عن الصفقة. فالإستقالة تأتي بعد الإقتراب من الإعلان عنها ولذلك ليس مستبعدا ان يبقى في منصبه حتى الإعلان، فهو لا يعترض عليها، بل من أكثر المؤيدين والمتبنين لكل أفكارها.

ثانيا: الإستقالة لا تحمل معنى الرفض لسياسات وقرارات الرئيس ترامب بشأن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بل هو يقف وبقوة وراء كل القرارات التي إتخذتها الإدارة ألأمريكية من نقل السفارة الأمريكية للقدس والإعتراف بها عاصمة لإسرائيل، وغلق مكتب منظمة التحرير، ووقف كل المساعدات عن وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين، ومحاولة شطب الشرعية الدولية، فهو من أسس للتيار والسياسة المتشددة، ولا ينتظر او يتوقع التراجع عنها، فستبقى سمة ثابتة بغرينبلات أو بدونه، وقد تزداد تشددا نحوالفلسطينيين بعد الإعلان عن الصفقة ورفضهم المعلن والمسبق، وخصوصا إذا فاز الرئيس ترامب بالرئاسة لفترة ثانية وهذا متوقع.

ثالثا: ان إستقالته قد تحمل تعبيرا عن عدم القدرة على تنفيذ الاتفاق، ولا يريد ان يدور في حلقة جوفاء، فبلا شك وخلال فترته القصيرة التي لا تزيد عن عامين وقف على كثير من التفاصيل، ومواقف الأطراف المعنية والتي تملك قوة التأثير في تحديد مستقبل الصفقة كمواقف بعض الدول العربية، ووصوله لقناعة ان لا دولة عربية تملك ان تعلن تأييدها الرسمي والعلني بدون الموقف الفلسطيني. هذه الإدراكات والتصورات توصل صاحبها لحالة من الإحباط السياسي الذي قد يدفع للإستقالة بدلا من الإنتحار السياسي، ولا يريد ان يكتب لنفسه الفشل.

رابعا: تربط غرينبلات علاقات قويه مع نتانياهو ومن اكثر المؤيدين والداعمين للإستيطان ، والدفع نحو الإعتراف بضمها لإسرائيل. فمن هذا المنظور الإستقالة لم تأتى تحت ضغط لا من قبل الرئيس ترامب ومستشاره جاريد كوشنر، ولا من قبل الحكومة الإسرائيلية.

خامسا: هناك من يربط استقالتة بالمردود المالي الذي يحصل عليه، وهو لا يزيد عن راتب سنوي مائة وثمنون الف دولار لا تغطي تكاليف أسرته، وهذا مستبعد لحالة غريبلات وعمله السابق، وعمل زوجته كطبيبة.

الملاحظة السادسة مقارنة بمن سبقوه من مبعوثين للسلام كان أقلهم جهدا وتركز جهده على المشاركة الرئيسة في صياغة الصفقة، فلم يقم بزيارات مكوكية، ولم يتسنى له لقاء الطرف الفلسطيني مما أفقده كثيرا من التوازن والحيادية والموضوعية وهي البعيدة عنه وعن كل من سبقوه.

الملاحظة السابعة تفسير الإستقالة من منظور من سيأتي بعده وهو بيركوفيتش عديم التجربة ودرس في تل أبيب ونشأ في منزل يهودي أرثوذكسي، ولم يصل بعد إلى الثلاثين من عمره.. وهذا التغيير قد يحمل رسالتين الأولى رسالة إطمئنان لإسرائيل بأن مرحلة تنقيذ الصفقة لن تخرج عن الإلتزام بكل ما ترضاه وتقبل به إسرائيل. والرسالة الثانية، وهي ألأكثر أهمية، الإستخفاف بالعملية السلمية وتقزيم الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.. وتأتي إشارة خفض مستوى التمثيل على تخفيض مستوى التوقعات وان مهمة الإدارة الأمريكية لن تذهب أكثر من الإعلان عن الصفقة، وتثبيت ما اتخذته من قرارات وسياسات.
يفترض في قضية وصراع بحجم القضية الفلسطينية وتشعباتها وتعقيداتها ان يكون الممثل للسلام بخبرته وسنه بحجم القضية.. قلة الخبرة والتوجهات المسبقة للمبعوث الجديد رسالة واضحة للفلسطينيين والعرب ان هذا آخر مراحل الاهتمام الأمريكي.

الملاحظة الثامنة: وهي الأقل إحتمالا، أن تكون لديه بعض الملاحظات التي يريد الأخذ بها لضمان تمرير الصفقة، وذلك بعد سماعه لآراء القيادات العربية ورفضها للذهاب احاديا في مواقفها من الصفقة.

الملاحظة التاسعة قد ترتبط برغبة الإدارة الأمريكية وصهره جاريد كوشنر بإحتكار كل العملية السلمية وربط الصفقة بهما، وهذا يتوافق والنزعات الفردية والذاتية لكل منهما، أو أن يكون غرينبلات أراد ان يتجاوز حدود الدور المرسوم له، وان دوره قد إنتهى عند مرحلة صياغة وإكمال الصفقة.

وأخيرا الملاحظة العاشرة أن الإستقالة لن تؤثر بشكل حاسم على "صفقة القرن" والإعلان عنها. لكنها بلا شك قد أشارت إلى إنهيار كل التوقعات من نجاحها. وفتحت الطريق أمام خيارات كثيرة، فبعد وضع حد لإمكانية إحياء المسار التفاوضي، فالبديل تجدد خيار العنف والمواجهة المسلحة. والمفارقة أنه بقدر ما قدم لإسرائيل من خدمات فقد وضعها أمام إشكاليات أمنية مستعصية على الحل، فلا ضم الضفة الغربية، ولا كل القرارات التي إتخذتها الإدارة الأمريكية كفيلة بوضع نهاية للصراع، وكفيلة بجلب الأمن والبقاء لإسرائيل، ولن تكون كفيلة بشطب الشعب الفلسطيني وإزالته من على الخارطة السياسية والجغرافية والبشرية.

من هذا المنظور تكون الإستقالة قد فتحت أبوابا جديدة غير متوقعة، فبدلا من السلام العنف والتصعيد وديمومة الصراع.

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@gmail.com