2019-09-14

"الانروا".. الشطب ام تجديد التفويض؟


بقلم: د. هاني العقاد

قريبا سنصل الي محطة مهمة جدا في تاريخ وكالة الغوث الدولية "الانروا" وهي تجديد تفويض الوكالة لاغاثة وتشغيل الفلسطينيين بالارض المحتلة والشرق الاوسط، وقريبا سنقف على عتبة المعركة الخفية بين "الانروا" والولايات المتحدة الامريكية واسرائيل وتتكشف تبعياتها وابعادها.

ادارة ترامب شنت حربا ضارية على هذه المنظمة على اعتبار انها الشاهد الحي على حجم الجريمة التي ارتكبتها اسرائيل وهجرت الآلاف من الفلسطينيين من بيوتهم وقراهم ومزارعهم التي لم يعودوا اليها حتى الان ولا يوجد امل ان يعودوا اليها في ظل اي تطورات سياسية لحل الصراع. ادارة ترامب تتبع مسار ممنهج لاستهداف هذه المنظمة، فقد اوقفت المساهمة المالية التي كانت تدفعها لـ"الانروا" والبالغة 300 مليون دولار سنويا، كما واوعزت الى كثير من الدول التي تتحالف معها وتروج لروايتها ان تمتنع ايضا عن المساهمة في دعم وكالة الغوث الدولية لتقف عاجزة عن تلبية احتياجات اللاجئين الفلسطينيين في الضفة وغزة ودول اللجوء، لبنان وسوريا والاردن. ولم تتوقف ادارة ترامب هنا بل اوعزت لبعض الدول العربية لدفع مبالغ مالية بديلة لتمويل الوكالة لتعريب هذه المنظمة بهدف اخراجها تدريجيا من الاطار الدولي الذي نخشى ان يكون نهايته بعدم التصويت على تجديد تفويض وكالة الغوث الدولية للعمل لفترة لثلاث سنوات قادمة.

واحدة من اخطر الاستهدافات الامريكية لـ"الانروا" هو تعريف من هو اللاجئ الفلسطيني من قبل ادارة ترامب في اطار تفكيك قضية اللاجئين، حيث خرجت علينا هذه الادارة وتيار بالكونغرس الامريكي بقرار امريكي يعيد تعريف من هو اللاجئ الفلسطيني، حسب  معايير عنصرية وتوجهات  تقفز عن كل القرارات الصادرة بشأن العودة والتعويض الواردة في قرار 194. واغلب هذه المعايير تنكر حدوث النكبة وتنكر ما تعرض له الفلسطينيون من تهجير قسري خطير ومذابح طالت الآلاف من ابناء فلسطين، وادخلت هذه المعايير جموع اللاجئين الفلسطينيين في اتون كارثة انهاء قضيتهم التاريخية وسحب صفة لاجئ منهم..! وهو اول اجراء امريكي لسحب حق ابناء اللاجئين الفلسطينيين في هذه الصفة باعتبار اللاجئ هو من رحل من فلسطين التاريخية فقط، اما ابنائهم وسلالالتهم فلا حق لهم بهذه الصفة..! وبالتالي فان عدد اللاجئين الفلسطينيين الذي تعترف بهم  الادارة الامريكية الآن هم ما يقارب 40 الف او ما جاوز ذلك بقليل..!

لم يكن اتهامات الادارة الامريكية لوكالة الغوث الدولية بانها منظمة فاسدة تعقد الصراع وغير قابلة للاصلاح الا مجرد اتهام جاء على خلفية سياسية لها ارتباط بما يسمي بـ"صفقة القرن" وتتقاطع مع كل الاجراءات التي اتخذتها الادارة بحق هذه المنطمة. فقد كشف مؤخرا عن  تقرير سري لمحققي الامم المتحدة يفيد بوجود انتهاكات خطيرة لا اخلاقية ذات مصداقية يطال بعضها المفوض العام للوكالة، وتعدى التقدير ذلك لاتهامات خطيرة لبعض المسؤولين الكبار بالوكالة بالتورط في سلوك جنسي غيرلائق ومحاباة وتمييز وغيرها من ممارسات استغلال السلطة لمنافع شخصية وقمع المخالفين بالرأي تحقيقا لاهداف شخصية، وهذا اخطر ما تم تسريبة ليتذرع به ترامب ويبرر استهدافه لهذه المنظمة، وكان الامر منسق جيدا وعلى درجة عالية جدا من الاسناد. 

حرب خفية تخوضها رئاسة هذه المنظمة ومعها الفلسطينيين لوقف محاولة شطب "الانروا"  وايكال ملف اللاجئين الفلسطينين حسب تعريف ادارة ترامب والكونغرس لمفوضية اللاجئين بالامم المتحدة، وهذا ما يؤكد ان هذه المنظمة باتت امام تهديد حقيقي بعدم التجديد لها في نهاية هذا العام  2019، وافشال التصويت بجهود امريكية اسرائيلية واضحة، وبالتالي لا تحصل على تفويض من الامم المتحدة لاستمرار رعايتها لشؤون اللاجئين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة والشتات وخاصة بمجالي الصحة والتعليم والشؤون الاجتماعية.. انها معركة البقاء..!  المعروف ان تجديد التفويض سيخضع لتصويت على مرحلتين، الاول على مستوي مصغر امام اللجنة الرباعية لمقاومة الاستعمار، والتصويت الكبير والعام يكون في الجمعية العامة للامم المتحدة في الاول من ديسمبر القادم 2019. والمعلوم ان الاجتماعات الخاصة بالتجديد تبدأ في الاول من نوفمبر وتستمر حتى يوم التصويت. والمتوقع ان تلعب الولايات المتحدة في هذه الاثناء دورا قذرا بمحاولة افشال حصول التصويت على قرار ايجابي يقر بالتجديد للمنظمة، وبالتالي يكون هناك دعوة من قبل الولايات المتحدة لاتخاذ قرار باسناد ملف اللاجئين الى مفوضية اللاجئين بالامم المتحدة.

الحقيقة ان هذه حرب ضارية تخوضها ادارة ترامب مقابل الفلسطينيين وقيادة منظمة التحرير و"الانروا" من ناحية اخرى لمحاصرة هذه المنظمة قانونياً وانهائها بتصويت دولي، لكن هذه المعركة ليست بسيطة وخاصة ان الولايات المتحدة الامريكية لا تملك الهيمنة الشاملة على كافة اعضاء المجتمع الدولي الذين صوتوا قبل ذلك على اسقاط قرار اعلان امريكا اعتبار القدس عاصمة لاسرائيل باغلبية 128 دولة، ويطالب القرار الجميع بعدم تغيير طابع القدس الشريف او مركزها او تركيبتها الديموغرافية، ويؤكد ان اي قرار ينص على ذلك هو لاغ وباطل وليس له اثر.

المتوقع اليوم ان يتلقى ترامب الصفعة الثانية، عبر تصويت كل دول العالم على التجديد لـ"الانروا" وإفشال مساعي واشنطن الرامية لشطبها وشطب قضية اللاجئين الفلسطينيين. الاهم اليوم هو العمل العربي المشترك لحشد دولي كبير يشرعن "الانروا" ويبقي على اوجودها.  وهنا وقول انه يتوجب على القيادة الفلسطينية الا تركن لاسبقية التصويت على قرارات سابقة تعلق بالشأن الفلسطيني ومصير كبرى القضايا وهذا بات يتطلب العمل بخلايا عنقودية دبلوماسية على مستوى كل دول العالم المتحالفة مع امريكا واسرائيل قبل الدول المحبة والصديقة للفلسطينيين والداعمة لحل الصراع على اساس المرجعيات والقرارات الدولية ذات الصلة لشرح مخاطر ما تنوي الادارة الامريكية برمجته ضد "الانروا" والوصل الى تعهد بالعمل على افشال اي محاولة امريكية من هذا القبيل.

* كاتب فلسطيني يقيم في قطاع غزة. - dr.hani_analysisi@yahoo.com