2019-08-25

الرئيس ترامب وحلم الرئاسة الدائمة..!


بقلم: د.ناجي صادق شراب

إستعراض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للقوة العسكرية الأمريكية في إستقلال الولايات المتحدة رسالة واضحة داخلية وخارجية أنه الرئيس الأقوى، ترجمة لشعار أمريكا أولا. الهدف من الإستعراض الذي يأتي قبل شهور قليلة من الدخول الرسمي في مرحلة الإنتخابات الرئاسية لا بديل له، وان امامه طريق طويل لتحقيق شعار "أمريكا أولا".

الرئيس ترامب تجاوز الكثير من حدود النظام السياسي الأمريكي، وكسر ما كان يحلم به المؤسسون الأوائل للولايات المتحدة: رئيس قوي للولايات المتحدة القوية، لكن بنظام الكوابح والجوامح والذي يسمح بمشاركة السلطتين التشريعية والقضائية السلطة التنفيذية والتي وضعها الدستور الأمريكي في يد الرئيس الأمريكي، وهذا للحيلولة دون ان يتحول الرئيس إلى رئيس ديكتاتور يقوض الديمقراطية الأمريكية.

فالرئيس الأمريكي هو الشخص الوحيد الذي تتجسد فيه قوة ووحدة الشعب الأمريكي، والذي من خلاله تتجسد روح الأمة الأمريكية، وهذا الهدف بدأ يتعرض للكثير من التفسخ والتفكك. ولعل من اهم مظاهر إشكاليات الديمقراطية الأمريكية اليوم بروز الروح الشعبوية العنصرية، والقومية الأمريكية الجديدة، وبدايات تعالي صوت الولايات على حساب صوت الدولة الإتحادية، وبدات تبرز الكثير من المطالبات بالمراجعة السياسية كنظام الانتخابات الذي يقوم على نظام الكلية الانتخابية، وهي ان الرئيس الذي يفوز في انتخابات الرئاسة من يحصل على النصف زائد من الأصوات الكلية الانتخابية والتي تحسب على أساس صوتين لكل ولاية في مجلس الشيوخ وعدد من الأصوات يتناسب وعدد سكان الولاية في مجلس النواب، وهو ما يعني ان مرشحا قد يفوز في العدد الكلي لأصوات الناخبين ولا يصبح رئيسا للولايات المتحدة، كما حدث في الانتخابات الأخيرة بين ترامب وهيلاري كلنتون.

الرئيس ترامب يعرف آليات وميكانيزمات النظام السياسي الأمريكي، ولكنه عمل منذ اليوم الأول لرئاسته على تقويض دور الكونجرس الأمريكي، ودخل في حرب تويترية مع النواب الديمقراطيين، ولجأ الى سلطاته التنفيذية التي تحد من سلطات الكونغرس، وعمل على تشكيل المحكمة الإتحادية العليا بقضاة يؤمنون بنفس عقيدته وأفكاره السياسية.

وطموحات الرئيس الأمريكي لا تقف عند حدود الفوز بالرئاسة للفترة الثانية. فمن منظور شخصيته وسعيه الدائم للربح الإقتصادي، يحاول ان ينقل هذا المبدأ على عالم السياسة بتحقيق الربح السياسي، والمتمثل ليس فقط بالفوز بالرئاسة ثانية، بل بالربح الدائم..! والسؤال كيف يحقق الرئيس ترامب الربح الدائم في السياسة، وهو يدرك حجم الصعوبات والتحديات التي تواجهه؟

بداية هناك محدان الأول دستوري، والثاني عامل العمر والتقدم في السن. فالنظام الدستوري الأمريكي يحدد فترة الرئاسة بأربع سنوات ومن حق أي مرشح أن يحكم لفترتين رئاسيتين متتاليتين أو متباعدتين والعملية الرئاسية معقدة لأنها تستلزم أولا ترشيح او تجاوز الانتخابات على مستوى الحزب الذي ينتمي إليه، وهي مرحلة ليست بالسهلة، وثانيا الانتخابات على مستوى كل الشعب الأمريكي. وهل يمكن للرئيس أن يحكم اكثر من فترتين؟

الإجابة بلا وبنعم في وقت واحد.. نعم وهذا يحتاج إلى تعديل الدستور الأمريكي. وعملية تعديل الدستور الأمريكي عملية تتجاوز حدود ورغبات أي رئيس أمريكي، فتحتاج أولا إلى موافقة ثلثي أصوات الكونغرس الأمريكي، وفي ظل الإستقطاب الحزبي الثنائي بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي وهذا الإستقطاب أحد معضلات الديمقراطية الأمريكية وقد يكون من الصعب تحققه.. وحتى لو تحقق فيحتاج الأمر بعد ذلك لموافقة ثلاثة أرباع المجالس التشريعية في الولايات الأمريكية الخمسين، وهو أيضا شرط صعب التحقق.

الرئيس ترامب ورغم طموحاته السياسية يدرك هذا القيد الدستوري وصعوبته، أضف على ان امل السن قد يحول دون ذلك، لأنه يكون قد دخل في الثمانيينات من عمره، البديل لذلك كما يرى وبلغة الإحتكار الإقتصادي لأي نشاط إقتصادي، قد يعمل على إحتكار الرئاسة في عائلته، ويبدو التلميع السياسي لإبنته إيفانكا وترشيحها لمناصب، وظهورها الإعلامي، قد يكون البديل أمامه، ولكن المعضلة الكبرى التي تواجه الرئيس ترامب: إلى أي مدى يمكن أن يتقبل الشعب الأمريكي ان يرى إمراة لأول مرة رئيسا للولايات المتحدة؟ فحتى اللحظة ورغم كل مظاهر التمكين السياسي للمرأة الأمريكية إلا أنها لم تصل للرئاسة، وفشل هيلارى كلينتون مثال على ذلك، وتبقى للطموحات السياسية حسابات تفوق الطموحات الاقتصادية.

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@gmail.com