2019-08-24

أي مستقبل للضفة الغربية؟!


بقلم: د.ناجي صادق شراب

غزة، عرفنا إلى أين ذاهبة، وأي مستقبل ينتظرها، ولا أعتقد أن مشاركة "حماس" في الإنتخابات التشريعية الأخيرة التي فازت فيها بأغلبية أقرب إلى الثلثين، وبعد ذلك سيطرتها الكاملة على غزة، وبناء بنية قوتها الكاملة من إقتصادية وإدارية وتعليمية وعسكرية متقدمة وصولا إلى محاولات رفع الحصار الكامل بتهدئة لن تكون قصيرة مع إسرائيل بعيدا عن إكتمال سيناريو المحاصصة: غزة لـ"حماس".

والآن السؤال هل يتكرر السيناريو في الضفة الغربية ونقول الضفة الغربية لـ"فتح"؟ في يقيني ان "فتح" قد ربطت مستقبلها بسيطرتها الكاملة على الضفة. ولها الآن ما لـ"حماس" في غزة، سيطرة كاملة على الجهاز الإداري وبنية إقتصادية، وحكومة كاملة، وسيطرة شبه كاملة على المؤسسات التعليمية، وسيطرة كاملة على الجهاز الدبلوماسي.

وتشكل الضفة الغربية منطقة الصراع الدائمة أو منطقة القلب في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وعلى خلاف غزة، ليست منطقة هامشية طرفية، تفتقر للخصائص الجيوسياسية والإستراتيجية، فلذلك بمحدداتها الجغرافية والسكانية كما سنرى تصلح نواة لدولة فلسطينية قوية وفاعلة ولديها مقومات القوة الشاملة التي تسمح بان تكون دولة لها قرارها السياسي الفاعل والمؤثر. فمساحتها اكبر من مساحة غزة بأضعاف، فتبلغ مساحتها الكلية ما يقرب من عشرين في المائة من مساحة فلسطين الإنتدابية التاريخية. وتشكل منطقة ملاصقة ومتداخلة مع إسرائيل، وتتسم بعمقين إستراتيجي وسكاني، العمق الإستراتيجي الذي يمثله وادي غور الأردن مما يعني التكامل الجغرافي مع الأردن، وهو ما قد يشكل تهديدا إستراتيجيا لإسرائيل، والثاني العمق السكاني المتكامل والإمتداد مع أكثر من مليون فلسطيني داخل إسرائيل يشكلون حوالي عشرين في المائة من سكان إسرائيل.

وتنفرد الضفة الغربية بخصائصها الجيوسياسية من هضاب مرتفعة تطل على العديد من المناطق في إسرائيل. وتزداد أهميتها بانها تشكل منطقة العمق الإستراتيجي سواء لفلسطين او حتى لإسرائيل، وإذا كانت القدس بأهميتها الدينية والمقدسة والحضارية فالضفة الغربية بأهميتها الإستراتيجية الثابتة. فلا يمكن تصور دولة قوية بدون الضفة الغربية.

وإلى جانب هذه الأهمية الإستراتيجية تعتبر الضفة الغربية سكانيا عنصر قوة وثقل، فعدد سكانها يتجاوز الثلاثة ملايين، أي اكثر من ستين في المائة داخليا وبنسبة تصل لحوالي أربعين في المائة من العدد الكلي لسكان فلسطين. وهذا العدد قابل للزيادة بشكل كبير، ولوأضفنا لهذا العدد فلسطينيي الداخل فنحن أمام معادلة سكانية يصعب على إسرائيل ان تجد حلا لها، فما بين البحر والنهر تتعادل المعادلة السكانية بينهما.

الضفة الغربية تشكل النواة الصلبة للدولة الفلسطينية ولإسرائيل وهنا تكمن الإشكالية الكبرى التي تواجه أي تسوية سياسية وأي حل. فالعقبة الرئيسة للمفاوضات تكمن في أي مستقبل للضفة الغربية. واليوم تتمركز في الضفة الغربية كل المؤسسات السياسية التابعة للسلطة ولمنظمة التحرير، وتمارس فيها سلطة حكم ذاتي، وسلطة مقيدة بحكم الاحتلال. ونظرا لأهمية الضفة الغربية الجيوسياسية نلاحظ وبشكل غير مسبوق وتيرة الإستيطان السريعة والتي كان آخرها الإعلان عن بناء خارج الخط الأمني الذي تبنى فيه المستوطنات، وهو ما يعني صعوبة أو إستحالة قيام دولة فلسطينية نواتها الضفة الغربية. إسرائيل لن تسمح بقيام دولة فلسطينية متكاملة في الضفة الغربية، متكاملة أمنيا وجغرافيا، أمنيا بالسيطرة على منطقة الغور، وإنشاء الحواجز الأمنية الثابتة وتجريد السلطة من كل درجات السلاح بإستثناء السلاح الأمني الشرعي المحدود، وجغرافيا بتجزئتها إلى مناطق متباعدة تفصلها كتل إستيطانية كبيرة تحول دون وحدتها الجغرافية.

وتحاول إسرائيل فرض سيطرتها الكاملة على المنطقة "سي" مما يعني خنق السلطة الفلسطينية في منطقة بشرية ضيقة يمكن التحكم فيها. وما تريده إسرائيل يتراوح ما بين الضم الكامل، وهو مستبعد، لأن إسرائيل غير معنية بإدارة وحكم ما يقارب الثلاثة ملايين نسمة، ويكفيها خلق واقع إستيطاني لا يمكن تغييره، والخيار الثاني توسيع مجالات الحكم الذاتي بمنح مزيد من السلطات الاقتصادية والإجتماعية للسلطة وهذا قد يكون أحد أهداف "صفقة القرن"، والخيار الثالث الدفع في إتجاه ربط إقليمي للضفة الغربية بالأردن. اما الرؤية الإستراتيجية البعيدة لإسرائيل في المستقبل هي في كيفية التعامل مع العنصر السكاني الفلسطيني في الضفة الغربية وهذا يتوقف على نجاح خياراتها، وفي الوصول إلى شكل نهائي للتسوية.

إسرائيل تحاول اليوم التعامل مع التسوية في مسارين منفصلين ولكن متوازيين: سلطة حكم ذاتي بصلاحيات أوسع في الضفة الغربية، وتهدئة بعيدة المدى في غزة مع نواة سياسية ضعيفة تابعة يمكن التحكم في كل منافذها..!

تجزئة الأرض او الجغرافيا، وتجزئة السكان، هذه مفاتيح إسرائيل اليوم وتساعدها في ذلك معطيات الإنقسام وتحولات القوة الإقليمية والدولية. ويبقى السؤال أي خيارات فلسطينية في الضفة الغربية؟

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@gmail.com