2019-08-24

العثور على الذات ... اغتيال الدونية (16)


بقلم: عدنان الصباح

هل انتهت داحس والغبراء؟ ام ان اسلوبنا الذي فعلناه مع الفرس داحس حين تآمرنا عليها لتفوز الغبراء ولتنشب حربا شعواء بين القبيلتين استمرت اربعين عاما، ويبدو انها لا زالت تعيش بيننا ولا زلنا نقتتل لأي سبب؟ ونرفض فوز غيرنا او نتآمر عليه كي لا يفوز..! وللأسف فان هذا لا يتم التعامل به مع الغير العدو بل مع الغير الصديق فنحن نتقن الاقتتال فيما بيننا اكثر بكثير مما نتقن قتال اعداءنا ونتآمر على بعضنا اكثر بكثير من تآمرنا على اعدائنا، وقد سقط في تلك الحرب اعداد كبيرة من القتلى وانتهت بدفع ديات القتلى من محايدين هما الحارث بن عوف وهرم بن سنان، ومثل هذه الحرب العبثية التي اشتعلت لعقود واذت الطرفين لم يكن لها ان تكون لولا الجهل والجاهلية التي لا زلنا نصونها فينا حتى الآن اكثر بكثير مما نصون الاخلاق والقيم الانسانية والتسامح وما الى ذلك، وهي اخلاق دعت اليها الاديان السماوية التي نؤمن بها قولا ونتعارض معها في كل افعالنا بلا خجل.

حرب داحس والغبراء وحرب الفجار وحرب بعاث التي دامت 140 سنة بالتمام والكمال، والتي بدأت ايضا بخلاف على من يستحق فرس رجل من غطفان في سوق بني قينقاع فنشبت اولى المعارك وكان اسمها حرب سمير الى ان انتهت بعد 140 سنة باسم يوم بعاث او حرب بعاث، وفي كل معركة كان الصلح يتم بدفع الديات لا بالاتفاق والحلول الواقعية الحقيقية، وبالتالي كانت الحرب تتوقف لا تنتهي لتعود من جديد وهي لا زالت كذلك.. ثم كانت حرب البسوس بين قبائل تغلب وشيبان والتي نشبت بسبب قتل كليب بن وائل من تغلب ناقة لقبيلة البسوس فقام جساس الشيباني بقتله انتقاما لمقتل ناقته فتواصلت الحرب بينهما 40 عاما اخرى.. ثم حرب بني اصفهان والتي دامت 77 سنة ثم حرب طسم وجديس ويوم حليمة بين الغساسنة والمناذرة وذي قار وشهرزور.. وتطول القائمة الا انها لم تتوقف مع ظهور الاسلام حيث اخذت الحروب شكل الحروب الدينية بين المسلمين وغيرهم.. ولم يدم الامر طويلا، فما ان توفي الرسول محمد "ص" حتى عادت الحروب من جديد الى الداخل الاسلامي.. أما هذه المرة فكانت حرب صفين عام 36 هجرية 656 ميلادية بين انصار معاوية بن ابي سفيان وانصار علي بن ابي طالب والتي انتهت بخدعة شهيرة اشار بها احد الصحابة وهو عمرو بن العاص ويقال ان عدد القتلى في تلك الحرب من الطرفين وصل الى 70 الف قتيل، ثم كانت معركة الجمل في نفس العام والتي قتل فيها حوالي 20 الف قتيل، ثم كانت معركة الزاب التي انتهت بنهاية حكم الامويين وظهور حكم العباسيين وانشقاق الاندلس بخلافة مستقلة، ثم كانت ثورات الخوارج على الدولة العباسية بعد الاموية والتي انتهت بتمزيق الدولة الاسلامية الى ممالك وامارات وخلفاء بدل الخليفة الواحد الذي انتهى بانتهاء الدولة الاموية اصلا، وظهور خلافة الاندلس.. ولم تقف الامور عند ذلك بل امتدت الى العصر الحديث وشهد القرن العشرين حروب ونزاعات بين الاطراف العربية والاسلامية ومن عاش في بلادهم كالأرمن والسيفو أو ما كانوا يعرفون بالآشوريين والسريان والكلدان، وكذا النزاعات التي ادت الى تأسيس المملكة العربية السعودية على يد آل سعود وابعاد الهاشميين الى خارج الجزيرة العربية، وكذا النزاعات مع الاكراد والعراقيين والايرانيين والاتراك الى ان تم تقاسم بلاد الاكراد كليا بين الدول المحيطة.. ولا زالت تلك الصراعات مع الاكراد متواصلة بلا توقف. وكذا الحرب السعودية اليمنية عام 1934م والتي لا زالت تتواصل بعنف في ايامنا هذه.. ثم النزاعات بين السنة والشيعة واليزيدية في العراق في الاعوام 1935 و1936م. ولا ننسى تاريخ الانقلابات العسكرية في المنطقة وعمليات القتل للحكام للتخلص منهم وكانت اليمن ولا زالت مسرحا لهذه الصراعات واكثرها عنفا. ولا يمكن لاحد ان ينسى الحرب الطائفية في لبنان وحركات ما سمي بـ"الربيع العربي" ونتائجها التي لا زالت ماثلة حتى الان في سوريا واليمن وليبيا والنزاعات العربية العربية وكذا الاسلامية الاسلامية في شمال افريقيا كالصراع على الصحراء الغربية والحرب العراقية الايرانية والعراقية الكويتية وما الت اليه الاوضاع الى حال مأساوي، وسيطرة امريكية شبه مطلقة في المنطقة..!

صراعات العرب وحروبهم ومن ثم نفس الحروب والصراعات بعد تحولهم الى الاسلام لم تعطهم الفرصة ابدا للالتفات الى حالهم واوضاعهم ولا للتفكير بالبناء الا على قاعدة العداء للمكون الآخر لنفس المجتمع اما بداعي الطائفة او بداعي الاختلاف او بدعم خارجي مغرض وحتى يومنا لا زال العرب يقتتلون على اجندات غيرهم ويموتون ويهجرون من بلادهم دفاعا عن اجندات ومصالح لا تمت لهم بصلة وقد اقتتل العراقيون والايرانيون والعراقيون والكويتيون ثم العراقيون وكل الدول العربية بقيادة امريكا الى ان انتهى العراق الى الدمار وفرشت امريكا حضورها الشرعي كحامي للعرب من العرب او من المسلمين كما هو الحال اليوم مع ايران والخليج العربي.

أي ذات اذن يمكننا ان نعثر عليها؟ ذات العربي يقتل العربي في اليمن وليبيا والعراق وسوريا؟ ام ذات المسلم الكاره للمسلم، سني وشيعي؟ او ذات الخليجي ام الشامي ام الافريقي؟ أم ذات الباحث عن اصول غير عربية له ليتنازل عن عروبته؟ وكثيرة هي الاشكال والانماط التي نختلف عليها وبها حد الاقتتال ثم لا نخجل حين نتغني بعروبتنا ووحدتنا وتاريخنا واحلامنا وآمالنا وهي في واقع الحال مجرد اكاذيب لا وجود لها الا في اللغة، فعمليات القتل والتدمير والحرق طالت العربي والمسلم والسني والشيعي والسعودي واليمني والعراقي والكردي فمن نحن اذن حين نكون طائفيين في لبنان مثلا ووحدويين في سوريا عرب في اليمن وسنة في العراق مصريين في مصر وعرب واكراد وتركمان في العراق ليبراليين في تونس وملكيين في المغرب واسلاميين في السودان ثم تنقلب الامور لنصبح ليبراليين في السودان واسلاميين في تونس وهكذا.. ذات هلامية غامضة عبثية لا معنى لها سوى بالقول الغناء والصراخ، فنحن نغني للارض ونتركها لغيرنا يزرعها ويحصدها ويبنيها ثم يسرقها ونواصل نحن الغناء بلا خجل..!

* كاتب فلسطيني يقيم في مدينة جنين. - ad_palj@yahoo.com