2019-08-18

هل سيكون الرئيس عباس آخر الرؤساء لفلسطين؟!


بقلم: د.ناجي صادق شراب

هذا السؤال تفرضه الحقائق والتطورات السياسية التى تمر بها القضية الفلسطينية، وما يتعلق منها بـ"صفقة القرن" التي تسعى لتفكيك القضية الفلسطينية، وشطبها من سلم الأزمات الدولية المزمنة، والمسؤولية الدولية عنها، وتحويلها لمجرد نزاع ثنائي ولمسؤولية فلسطينية.

ولعل احد الأهداف غير المعلنة لـ"صفقة القرن" التخلص من الرئيس عباس أو من مرحلة الرئيس عباس بما يمثله ويرمز له، فاولا الرئيس يمثل جيل القادة التاريخيين وقد يكون آخرهم. وهذا له دلالة سياسية عميقة: شرعية الثورة والشرعية التاريخية الثابتة وغير القابلة للتحويل والإقصاء والشطب. فالرئيس عرفات كان أول رئيس فلسطيني منتخب إنتخابا شعبيا، وجاء بعده الرئيس عباس ليؤكد هذا الحق الشعبي في إختيار رئيسه. وهذه الممارسة الديمقراطية دلالتها العميقة الإختيار الديمقراطي والتمثيل الشعبي، فلا أحد يستطيع أن ينكر قوة الرئيس عباس التمثيلية، وهي التي تعطيه إعترافا وقبولا إقليميا ودوليا، وهو المعبر عن هذه الإرادة الشعبية، وهي الإراده التي تشكل محددا لكل قرارات الرئيس عباس وهي التي تفسر لنا موقفه الحاسم والرافض من "صفقة القرن"، ورفضه الإنقسام وكل ما يلحق به من مشاريع تؤصل لحالة من الإنفصال السياسي. وبرئاسته للدولة الفلسطينية تجسيد لهذه الدولة حتى ولو لم تكتمل بسبب إحتلال إسرائيل. ولعل من مصادر قوة الرئيس عباس علاقاته المتعددة والمتنوعة مع العديد من قادة الدول، فلم تقتصر هذه العلاقات على البعد الرسمي، بل إمتدت لنسج علاقات شخصية تساهم وتلعب دورا كبيرا في حشد الدعم للقضية الفلسطينية.

والإشكالية السياسة الكبرى التي تواجه المستقبل السياسي الفلسطيني كأي نظام سياسي عربي، ان الرئيس وبما يحتله ويشغله من مناصب جعلت النظام كله منوط به وبإستمراره. ولعل من قوانين التغيير السياسي في المنطقة ان مرحلة ما بعد الرئاسة تترتب عليها تداعيات سياسية كبيرة تنقلنا لمرحلة سياسية جديدة، وهنا الحقيقية الأولى ان مرحلة ما بعد الرئيس لن تكون كما هي الآن. وقد تكون مفتوحة لكل الخيارات، والإحتمالات.

والسؤال لماذا الرئيس عباس الرئيس الأخير؟ والإجابة السريعة لما يرمز له من رموز سياسية كما ذكرنا. وثانيا الرئيس الفلسطيني ليس كأي رئيس في العالم. العالم كله معني بمن يكون الرئيس القادم. هو رئيس إستثنائي يستمد قوته من قوة القضية الفلسطينية وإستمراراها. والعالم ينظر إليه على أن بيده مفاتيح الحل السياسي. ولذلك الرئيس عباس مطلوب منه الآن ان يوافق على "صفقة القرن"، او بعبارة أخرى على التسوية السياسىة التي تفرضها الإدارة الأمريكية كما تريدها إسرائيل..! والرئيس أعلن موقفه الصريح والواضح من رفضه لـ"صفقة القرن"، وعدم التعامل مع هذه الإدارة. وهذا أمر غير مقبول أمريكيا، وإذا أضفنا قراره وقف التعامل مع كل الإتفاقات مع إسرائيل فهذا يعني أيضا أن الرئيس لم يعد حسب ما يرسمون له ويريدون.

هم الآن أمام نموذج جديد للرئاسة الفلسطينية المعبرة والمتمسكة بالموقف الفلسطيني العام. ويبقى امام الرئيس تحقيق المصالحة الفلسطينية وإن كان ذلك قد يقع خارج دائرة قدرة القرار الفلسطيني، لأنه بات مرتبطا بحسابات غير فلسطينية. وإذا كان الرئيس غير مقبول أمريكيا وإسرائيليا فلماذا لا يمكن التخلص منه؟ ليس صعبا على إسرائيل بأذرعتها الأمنية والعسكرية والإستخباراتية التخلص من الرئيس بالإغتيال الجسدي وهو أسلوب ليس غريبا عليها. ونموذج الرئيس عرفات ماثلا. فرغم ان عرفات وصاحب سلام الشجعان ومن مد يده الفلسطينية للسلام، لكن إسرائيل فشلت ان تخلق الرئيس الذي تريد فكان التخلص منه، وهذا النموذج ليس بعيدا الآن.

في حالة الرئيس عرفات كان الإستعجال من منطلق ان هناك من هو قادر على ملء الفراغ السياسي، ومن يعلن تمسكه بخيار السلام والتفاوض. اليوم إسرائيل تنتظر من يملأ الفراغ السياسي؟ ومن يمكنه قيادة سفينة بها الكثير من الثقوب؟ ومن هو قادر على إتخاذ القرار؟ إسرائيل خلقت وغذت بيئة الإنقسام السياسي حتى لا يعود لفلسطين رئيس واحد. وستحول دون إجراء الانتخابات الرئاسية الفلسطينية الواحدة حتى لا يكون لفلسطين رئيس واحد يعبر عن إرادة شعبه ويقول بأعلى الصوت انا رئيس دولة فلسطين. وستعمل إسرائيل أن يكون الرئيس عباس هو الرئيس الأخير. وماذا عن الموقف الفلسطيني وهل يكون الرئيس عباس أيضا الرئيس الأخير؟

الإجابة الحاسمة تكمن في الإنقسام السياسي وإستمراره وتحوله لحالة إنفصال سياسي. فـ"حماس" لن تعترف بأي رئيس جديد تختاره منظمة التحرير التي لا تعترف بها طالما انها غير ممثلة فيها. والرئيس الفلسطيني لا يكفي أن يتم إختياره من قبل منظمة التحرير الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، بل يحتاج إلى إعتراف إقليمي ودولي قد لا يتوفر في حال الرئيس الجديد..! نحن أمام معضلة سياسية لا ينبغي التقليل منها، ومن خطورتها وتداعياتها، وهذه المعضلة مفتاحها الآن بيد الرئيس محمود عباس بالبحث عن الخيارات الكفيلة بأن يبقى لفلسطين دائما رئيس واحد وليس عدة رؤساء..!

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@gmail.com