2019-08-16

الحكم الذاتي قيمة إضافية وليس بديلا عن الحقوق السياسية


بقلم: داود كتاب

في لقاء خاص مع الإعلامية كريستيان امانبور في شبكة الكوابل الامريكية ْCNN قال سفير الولايات المتحدة لإسرائيل ديفيد فريدمان ان موضوع حل الدولتين لن يتم ذكره في الرؤية الامريكية لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. ورغم الكتمان غير المعهود لحكومة ترامب الا ان هناك غيابا لماهية الخطة السياسية التي سيتم الإعلان عنها في الأشهر القادمة لما أصبح يطلق عليه "صفقة القرن".

في المقابلة أشار فريدمان، وهو محامي امريكي صهيوني، إلى ان ما قد يشمله الإعلان الأمريكي هو مبدأ "الاوتونوميا" او الحكم الذاتي. والمعروف ان رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن كان قد تحدث عن "الاوتونوميا" خلال مفاوضات "كامب ديفيد" الإسرائيلية المصرية الامريكية عام 1977.

ولكن ما قد يجهله المحامي المختص بقضايا الإفلاس ان مبدأ "الاوتونوميا" هو قيمة مضافة لأي حل وليس بديلا عن الحقوق السياسية وهي أساس أي حل قومي بين طرفين يتنازعان على الأرض والحدود.

وللتوضيح فمن المعروف ان الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع يتمتع الآن بـ"اتونوميا" او حكم ذاتي معين. فمثلا ينص جواز السفر الفلسطيني الصادر عن السلطة الفلسطينية ان هذا الجواز/وثيقة السفر صادر بموجب اتفاق الحكم الذاتي المنبثق عن "اتفاق أوسلو".

والمعروف انه كما كان مقترحا في مداولات "كامب ديفيد" المصرية الإسرائيلية، وكما جاء في اتفاق المبادئ المعروف باسم "اتفاقية اوسلو" ان موضوع الحكم الذاتي هو فترة انتقالية أقصاها خمس سنوات يتم خلالها الاتفاق على الحل الدائم.. طبعا الفترة الانتقالية تضاعفت خمس مرات ولا نزال في الفترة الانتقالية والتي تم خلالها الحكم الذاتي الفلسطيني والمطلوب الآن هو الحل الدائم والمبني على مبدأ الحقوق السياسية.

وفي مثال اخر للتوضيح فان المواطن الكردي في العراق يتمتع الآن بحكم ذاتي داخل الدولة العراقية. أي انه مواطن كامل الصلاحية يحق له ممارسة حقه السياسي بانتخاب ممثله في البرلمان العراقي وفي نفس الوقت يتمتع داخل إقليم كردستان بحكم ذاتي كردي يستطيع خلاله استخدامه لغته وثقافته وبرلمانه الخاص لتسيير اموره اليومية دون ان يكون ذلك على حساب الدولة العراقية وسياستها الوطنية والخارجية وعملتها الوطنية وغير ذلك.

إذا فموضوع "الاوتونوميا" ليس آخر المطاف، بل امر مساعد ممكن الاستفادة منه في فترة انتقالية او خلال حل دائم ولكنه ليس بحل نهائي. فالحل النهائي يجب ان يوفر الحقوق السياسية  للشعب الفلسطيني في واحد من خياران: اما من خلال دولة مستقلة ذات سيادة او من خلال حقوق سياسية متساوية ضمن الدولة الإسرائيلية.. أي حل آخر بما فيه الاستمرار في الوضع القائم سيحرم الشعب الفلسطيني من حقه في تقرير مصيره وسيكون شكلا من اشكال "الابرتهايد" أي انه يميز سلبيا ضد حق الشعب الفلسطيني في حقوق سياسية متساوية مع كل مواطن آخر تحت نفس السلطة السياسية والأمنية.

تحاول إسرائيل جاهدة التهرب من هذا الاستحقاق الطبيعي بأقناع حلفائها الامريكان بإبقاء الامر كما هو واجراء عملية تجميل للاحتلال. وقد وقع الجانب الأمريكي بهذا الفخ (ليس متأكدا ان الجميع كان يجهل الموضوع) ولذلك كان هناك حديث عن سلام اقتصادي والبحث عن حلول مؤقتة للتخفيف من سلبيات الاحتلال دون العمل على انهائه.

الجانب الإسرائيل يعرف ما هي متطلبات السلام بصورة دقيقة ولكنه يرغب بشراء الوقت كي يستمر الاستيطان مساحة ومستوطنين في حين يستمر التضييق على الشعب الفلسطيني على أمل يختفي او يستلم ويقبل بان يعيش بصفة ادني من الاستقلال، وكما يقول نتنياهو بان يقبل بحل اقل من دولة مستقلة.

طبعا الشعب الفلسطيني ليس مستعدا للاستسلام وهو غير مستعد لقبول العيش بأقل من كامل الحرية والحقوق السياسية.  كما انه أصبح واضحاً انه بعد مآسي النكبة والنكسة فموضوع مغادرة الأرض لم يعد في قاموس أي فلسطيني.

إذا فان حل "الاوتونوميا" غير منطقي لشعب يتمتع بجزء من الحكم الذاتي ويناضل من اجل الحرية والاستقلال او المساواة الكاملة مع حقوق سياسية. الحلول الامريكية لن تنجح في أي تغيير في الموقف الفلسطيني بل بالعكس فقد قدم الامريكان للشعب الفلسطيني وخاصة القيادة الحالية أفضل هدية ان نجح،رغم فشل القيادة والانقسام، بتوحد غير مسبوق للشعب والقيادة ولرام الله وغزة في رفض الخزعبلات الامريكية والإصرار على انهاء الاحتلال والاستمتاع بالحرية والحقوق السياسية دون أي تردد.

* الكاتب مدير عام راديو البلد في عمان ومؤسسة بن ميديا للإعلام التربوي في رام الله. - info@daoudkuttab.com