2019-07-04

مطرقة السفير الأمريكي المستوطن فريدمان تدق آخر مسمار في نعش السلام..!


بقلم: المحامي إبراهيم شعبان

في حفل خطيررعته جمعية "إلعاد" الإستيطانية في حي وادي حلوة في قرية سلوان قبل ايام وعلى مدرج روماني، دكّت مطرقة السفير الأمريكي الصهيوني المستوطن بمشاركة سارة نتنياهو وضيوف "إلعاد" باب الحج المزعوم، وافتتحته برعاية أمريكية إسرائيلية رسمية وشعبية.

في الجانب الرسمي، حضر سبعة وزراء  من وزراء الحكومة الإسرائيلية حفل الإفتتاح هذا، والسفير الأمريكي دافيد فريدمان، وجاسون جرينبلات مبعوث البيت الأبيض للشرق الأوسط، وثلاثة سفراء لأمريكا في فرنسا والدانمارك والبرتغال (أغلب الظن أنهم من المسيحيين المتصهينين). وحضر كل من رئيس دائرة الأراضي والآثار والبيئة الإسرائيليين وهم ألد أعداء الشعب الفلسطيني في قضايا البناء والتنظيم.

شارك في حفل الإفتتاح من الجانب الشعبي غير الرسمي، سارة نتنياهو زوجة نتنياهو رئيس الوزراء الإٌسرائيلي فهي لن تفوت فرصة كهذه،وبخاصة الإجتماع مع  زوجة الملياردير اليهودي الصهيوني الأمريكي شيلدون أديلسون الإسرائيلية (مريام) الذي ينشر ويوزع جريدة "إسرائيل اليوم" مجانا وساهم في دعم نتنياهو ومستوطنة أرييل في الضفة الغربية. وكان أهم الحاضرين وأخطرهم رئيس جمعية "إلعاد" الإستيطانية (ديفيد بري) الذي كان قائد وحدة في "الدوبدبان" سابقا، ومجلس إدارتها وبعض المغنين والموسيقيين. وكان هناك نفر من علماء الآثار المزعومين وبعض العمال الذين شاركوا في أعمال الحفر والتنقيب.

حضور السفير الأمريكي وجاسون غرينبلات هذا الحفل المدعوق يحمل في طياته أمرا خطيرا، وبخاصة أنه يأتي بعد ضم القدس والإعتراف الأمريكي بالقدس كعاصمة لإسرائيل. فلأول مرة يقوم رسميون أمريكيون بعمل عدائي غير قانوني واستعماري برفقة وزراء إسرائيليين عبر حضور حفل مزعوم لطريق الحج المكتشف بعد أن كانوا يتجنبون ذلك في السابق. فهذا تأكيد من الإدارة الأمريكية الحالية ومن يليها على أن القدس إسرائيلية وقبول النهج الإسرائيلي لضمها، وبالتالي هي خارجة عن أية مفاوضات مستقبلية، بل هي جزء لا يتجزأ من الكيان الإسرائيلي وفق المفهوم الأمريكي.

مطرقة السفير المستوطن الأمريكي دافيد فريدمان دكت آخر لبنات السلام المزعوم حينما كان يفتتح طريق الحج المزعوم، بل كان يتباهى بذلك الهدم المادي، وكأنه يصنع التاريخ المزور المزعوم. ويبدو أن السفير الأمريكي جاهل في علم الآثار، والحقائق التاريخية، ومقولات الحرية، أو أنه ساذج ككثير من ألأمريكيين، أو أنه راغب بدهاء بربط التاريخ الأمريكي المشرق أثناء الثورة الأمريكية،  بطريق الحج الإسرائيلي المزعوم الذي تخيله كواقع لا يناقش، ولا يمكن إثبات عكسه، وعلم الآثار يؤكده ولا ينفيه.

ويبدو أن هذا السفير المستوطن الأمريكي شعر بالحرج لوجوده غير المبرر في مثل هذا الحفل الإستيطاني، فقد أشار إلى أن هذا الطريق للحج اليهودي هو أعظم اكتشاف أثري في القرن العشرين والواحد العشرين، وأنه حقيقة علمية لا تدحض، تؤكدها الوقائع الثابتة في خياله المريض والجامح، كما هي الرسومات الخيالية التي ملآت حفل الإفتتاح. وهي تشير إلى طريق وهمي من عين سلوان وتحديدا من منطقة الحمرا صعودا إلى باب المغاربة، ثم إلى البراق، مع محو كامل لأي أثر إسلامي سواء قبة الصخرة أو المسجد الأقصى. تماما كما هي الرسومات التي تستعملها جمعية إلعاد ومرشديها، في غسل عقول السواح والزوار لتلك المنطقة المستولى عليها عبر استعمال غير مشروع لقانون أملاك الغائبين، والإستيلاء على أرض فلسطينية خاصة، وجعلها ما يسمى "مدينة داوود".

ورغم أنني لست من علماء الآثار، فمن المعروف أن جميع الآثار المحيطة بالمسجد الأقصى من الجهة الجنوبية أي وادي حلوة في سلوان هي آثار إسلامية ورومانية على وجه الحصر. ولم تنجح دائرة الآثار الإسرائيلية أن تثبت بدليل واحد على وجود اليهود في تلك المنطقة رغم مرور خمسين وعاما ونيف على تنقيبهم المستمر في تلك المنطقة. فلم تتوقف شاحناتهم عن نقل الأتربة من خارج الأنفاق التي انهارت عدة مرات، ولو قامت دائرة الأوقاف الإسلامية بمثل هذا النقل للأتربة لما توقفت صيحات اليمين الإسرائيلي. وكلنا نذكر تلك القصص والكتابات والتندر التي ضاعت بسبب إهمال الوقف الإسلامي في كب أتربة المسجد المرواني بل إن كثيرا من علماء الآثار الإسرائيليين الموضوعيين أكدوا على ذلك، ورفضوا الإستنتاجات التي توصل إليها عالم آثار واحد وواحدة شابة استوردت من سويسرا. وفي تأكيد صريح يقرر علماء الآثار الإسرائيليين أن هذه الأنفاق التي افتتحها السفير الأمريكي المستوطن هي أنفاق رومانية وإسلامية وصليبية. وأن القدس لم تكن سوى قرية صغيرة جدا لا يتجاوز عدد سكانها خمسمائة شخص. حتى لو تم التسليم جدلا بأن هذا الطريق هو طريق للحج من ثلاثة آلاف سنة، ألآ يجب عقلا ومنطقا أن يترك الحجاج أثرا معقولا يؤكد الرواية الإسرائيلية، أم انهم انجروا وراء مقولات توراتية ضيقة ورؤى باهتة لتثبت أمرا خياليا غير مؤكد؟! هذه دعوة لعلماء الآثار الفلسطينيين ان يدرسوا وينقبوا في طريق الحج المزعوم هذا.

كما قلت يحاول ديفيد فريدمان أن يربط بين التوراة وقواعد الدستور الأمريكي الذي تجمع عليه جميع التوجهات الأمريكية وتحترمه، وبالتالي ينافق الأميركيين في هذا التوجه ويربط بين اليهودية وإسرائيل والشعب الأمريكي وأمريكا برباط لا ينفصم. فهو يزعم ان الربط بين نبوءات "نحميا"، لا تبتعد بل تقترب من المبادىء التي قام عليها الدستور الأمريكي في القرن الثامن عشر. ووصف هذه الحقوق التي وردت بالتوراة بالأزلية، التي ورثها الإنسان من ربه، وغير القابلة بالزوال، والتي لا يجوز التنازل عنها، واشرقت في وثيقة الإستقلال الأمريكية، كالحرية والحق في الحياة والحقيقة والكرامة الإنسانية والمساواة. فهو يود القول ويؤكد أن حضوره حفل جمعية إلعاد الإستيطانية ما هو إلا ذو بعد إنساني وقول للحقيقة، ابتدأ قبل تلاثة آلاف سنة وعاد من جديد عبر طريق الحج. وهل الإنسانية كما تزعم، يا سيد فريدمان وتقول أن طريق الحج يمثله، بأن يكون الحفل قاصرا على المجتمع اليهودي المتعصب، فلماذا لم تشارك الكنائس أو رجال الدين المسيحي في مثل هذا الحفل المدعوق. أولم تقرر ان القدس وقيمها لجميع قبائلها كما ذكرت في كلمتك، فلماذا تستثني المسلمين والمسيحيين من القدس عبر إنسانيتك المزعومة؟!

هذه المنطقة من سلوان المسماة وادي حلوة يا سيد فريدمان، لم تكن تعني اليهود ولا الإسرائيليين قبل ربع قرن بل لم يكن لهم وجود فيها البتة ولم تكن تزار إلا لوضع سياراتهم والدخول لحائط البراق للصلاة أو للمشاركة في حفل أداء القسم للجنود. وكثير من اليهود العالمين بالآثار والتاريخ، يرفضون قصص الملك داوود وجولاته ونزهاته في أرض البستان ويرون أنها من نسج الخيال مقدمة للإستيلاء على الأرض الفلسطينية. ولوكان لديك يا سعادة السفير، حس إنساني أوحضاري يا سيد فريدمان، لطالبت مضيفيك، أن يخففوا قيودهم على سكان وادي حلوة في سلوان وعدم التضييق عليهم، أسوة بجمعية إلعاد الإستيطانية التي أقامت أبنية بشكل غير مشروع بالتنسيق مع بلدية القدس ودائرة الأراضي والبيئة والآثار الذين حضروا حفل الإفتتاح.

مطرقة السفير الأمريكي المستوطن فريدمان لم تترك ذرة واحدة من ذرات السلام إلا ودمرتها. مطرقة السفير قهرت السلم والسلام حين هوت على آمال الحالمين بسلم عادل في القدس. مطرقة السفير الأمريكي اختراع عجيب وغريب في الدبلوماسية الدولية. مطرقة المستوطن فريدمان يجب أن تحفظ في المتحف الإسرائيلي كأثر بارز من طريق الحج في ظل انتفاء أي أثر بارز آخر. ليت السفير الأمريكي المستوطن أن يتبصّرحتى لا يصاب بالعمى والصمم. قال تعالى "أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور" (الحج 46).

* الكاتب محاضر في القانون في جامعة القدس ورئيس مجلس الإسكان الفلسطيني. - ibrahim_shaban@hotmail.com