2019-06-13

هل من جولة تصعيد جديدة على الابواب؟


بقلم: د. سفيان أبو زايدة

حركة نشطة للزنانات في سماء غزة اكثر مما كان عليه الوضع في الايام والاسابيع الاخيرة.. اسرائيل تقرر اغلاق البحر بشكل كامل امام الصيادين الفلسطينيين بعد ان قلصت مساحه الصيد قبل يومين فقط.. اكثر من مئتين من مسؤولي الامن في غلاف غزة يعتصمون احتجاجا على استمرار اطلاق البالونات الحارقة التي تسببت في حرق آلاف الدونمات من المحاصيل الزراعية، وقبل ذلك وفي حركة احتجاجية تعبيرا عن فقدان صبرهم لما يجري لهم، امتنعوا عن اطفاء هذه الحرائق في بعض المناطق.

ليلة امس اعلنت اسرائيل ان القبة الحديدية تصدت لصاروخ اطلق من غزة قبل ان ترد القوات الاسرائيلية بقصف لبعض المواقع.

وأمس ايضا اعلنت قيادة الجبهة الداخلية عن تغيير في آلية عمل صافرات الانذار بحيث تصبح تقسم المدن والبلدات الى مناطق تطلق صافرات الانذار فقط في المنطقة المحددة التي من المحتمل ان يسقط عليها الصاروخ وذلك بهدف تخفيف الضغط النفسي الناتج عن نزولهم الى الملاجئ والغرف المحصنة في كل مرة تعمل فيها صافرات الانذار. خطوة ليس لها اي تفسير آخر سوى ان اسرائيل تستعد الى جولة جديدة من التصعيد، جولة جديدة ستحاول فرض قواعدها من حيث البداية وحتى  النهاية وما بينهما.

خلال الاسابيع الماضية كانت هناك رسائل متبادلة بين غزة وتل ابيب تعبر عن فقدان صبر كلا الطرفين.

مضمون الرسالة الاسرائيلية انهم لن يتقدموا اي خطوة جديدة في كل ما يتعلق بتنفيذ الالتزامات التي تعهدوا بها بعد جولة التصعيد الاخيرة طالما استمرت مسيرات فك الحصار، وطالما تواصل اطلاق البالونات الحارقة التي اصبحت مؤذية جدا. والامر القديم الجديد هو لا تغيير جذري في الوضع القائم في غزة قبل اعادة الجنود والجثث دون اي استعداد للاستجابة لشروط "حماس" خاصة فيما يتعلق بالشرط المسبق وهو اطلاق سراح اسرى "صفقة شاليط" التي اعادت اسرائيل اعتقالهم في الضفة الغربية عام ٢٠١٤.

الرسائل الاسرائيلية كانت تحمل ما يكفي من الحدية التي تعبر عن استعدادهم للدخول في جولة تصعيد جديدة وتحمل نتائجها.

في مقابل ذلك كانت رسالة غزة للاسرائيليين سواء من خلال الوسطاء او من خلال البالونات الحارقة ان مسيرات فك الحصار ستتواصل ولن يتم ايقافها طالما أن غزة محاصرة وطالما بقيت تعاني، وان اطلاق البالونات الحارقة هي احدى الوسائل الاقل تكلفه للتعبير عن فقدان الصبر الناتج عن الماطلة الاسرائيلية في تنفيذ التزاماتها.

ان لم يحدث تطورات خلال الفترة القليلة القادمة هذا يعني ان جولة التصعيد القادمة اصبحت على الأبواب.

ولأن جولة التصعيد الأخيرة كانت مؤذية جدا بالنسبة للاسرائيليين قياسا مع حجم الاصابات في الارواح وحجم الدمار الذي تسببت به الصواريخ التي اطلقت بكثافة شوشت جزئيا على عمل القبة الحديدية على الرغم من الرد القاسي خلال ايام التصعيد والذي ادى الى اسشهاد نحو ثلاثين فلسطينيا وجرح العشرات وتدمير عشراب البيوت والمباني الخاصة والعامة.

لذلك من المفترض ان يكون هناك استخلاص للعبر بحيث تكون مدة فترة التصعيد اقصر والضربات اكثر عنفا وتجنب وقوع الاضرار قدر الامكان.

لكن السؤال هو لماذا تريد اسرائيل الذهاب الى هذه الجولة من التصعيد؟ وما الذي يمكن ان تحققه من هذه الجولة التي قد تكون اكثر قسوة مما كان عليه الوضع بعد ان استخلصوا العبر من جولة التصعيد الاخيرة؟

اولا: هناك اعتقاد سائد لدى الأوساط السياسية والأمنية على حد سواء في اسرائيل بأن الفصائل الفلسطينية قد خرجت من المعركة الاخيرة وهي اكثر ثقة بالنفس واكثر قدرة على ايقاع الأذى في صفوف الاسرائيليين، هذا يعني ان قدرة الردع الاسرائيلية ليس فقط لم يتم تعزيزيها بل تم سحقها مما يتطلب معالجة هذا الأمر في اقرب جولة ممكنة.

تعزيز قوة الردع الاسرائيلية يحتاج الى الاقدام على خطوات وأساليب اكثر قسوة. مع الأخذ بعين الاعتبار عدم الانزلاق الى مواجهة شاملة. حتى الآن لم تجد اسرائيل هذه الخلطة السحرية التي تبقي على قوة الردع الاسرائيلية مع استمرار الحصار وعدم اعتماد استراتيجية تجاه غزة وفي نفس الوقت عدم الانزلاق الى مواجهة شاملة قد تجعلها تغرق في وحل غزة دون ان تعرف كيف تخرج منه.

ثانيا: استمرار مسيرات فك الحصار والمماحكة على الحدود واطلاق البالونات الحارقة التي على ما يبدو لم تعد وكأنها لعب اطفال، بل اصبحت تحمل بمواد حارقه تؤدي الى وقوع اضرار مؤذية. هذا الأمر يحرج نتنياهو اولا بصفته وزيرا للحرب ويحرج الجيش الاسرائيلي الذي لا يريد ان يتورط في مواجهات وجولات تصعيد في ظل تهرب القيادة السياسية من اتخاذ قرارات استراتيجية. مع ذلك استمرار اطلاق البالونات الحارقة والتوتر الاسبوعي على الحدود يجعل قيادة الجيش الاسرائيلي تحت الضغط المتواصل الذي قد ينتهي بجولة تصعيد تبدو قريبة جدا.

ثالثا: التطورات السياسية في اسرائيل، سيما الذهاب الى خيار الانتخابات العامة، ستفرض نفسها على آلية اتخاذ القرارات في كل ما يتعلق بتطورات الاوضاع في غزة.

هذه التطورات تجعل نتنياهو اكثر حذرا في التعامل مع التفاهمات التي تم الاتفاق عليها في ظل الانتقادات التي يتعرض لها من اليسار ومن اليمين والتي تتهمه بدفع الجزية للفصائل الفلسطينية مقابل الحصول على هدوء.

نتنياهو المجروح الآن ليس لديه القدرة على تحمل هذه الانتقادات مما يتطلب منه التعامل بصرامة مع اطلاق البالونات الحارقة او اطلاق الصواريخ.

* وزير سابق وأسير محرر من قطاع غزة. - Dr.sufianz@gmail.com