2019-06-04

ذكرى النكبة الـ "71".. المعركة المفتوحة


بقلم: محمد أبو شريفة

تمر علينا الذكرى الـ 71 لنكبة فلسطين ونحن على أبواب مرحلة جديدة من تصاعد الهجمات الغربية المتواصلة على المنطقة، التي تتخذ في هذا الوقت صورة جديدة مختلفة عن الهجمات السابقة.

فالولايات المتحدة الأميركية متمثلة بإدارة ترامب- كوشنير قد ألقيت كل مفردات الدبلوماسية في سلة المهملات لتصبح المعركة واضحة لا تحمل أي التباس. فالغرب وأميركا قد حددوا أولوياتهم اليوم وهي على الشكل الآتي:
1- إخضاع منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي إخضاعاً كلياً عبر تثبيت نظم سياسية تفتقد إلى الحد الأدنى من المشروعية.
2- تعزيز دور الكيان الإسرائيلي لكي يلعب دوراً مركزياً في هذا التشكيل الجديد بما يسمح بتمرير ما يسمى "صفقة القرن"، بهدف الإجهاز على القضية الفلسطينية باعتبارها آخر العناوين الجامعة لأي لحمة عربية مستقبلية.

من هنا تأتي النكبة في ذكراها الـ71 وفلسطين أمام تحدٍّ مصيري فإما أن يواجه هذا التحدي بمنع صفقة القرن وإفشالها وبالتالي حماية المنطقة من أتون النار الملتهبة التي تحملها البوارج والطائرات الأميركية.. وإما الرضوخ والاستسلام للعنجهية الإمبريالية.

المتتبع للمسرح اليوم يرى أن الغرب قد دفع بكل قوته نحو حصار المنطقة من جميع الجهات من الحواضر حتى الثغور، فهو لا يريد لأي قوة ممانعة أن تخرج سالمة من هذا الحصار. فإذا كنا في عام 1948 أمام نكبة فلسطينية فإننا الآن في عام 2019 نقف أمام نكبة المنطقة برمتها وبتداعياتها الخطيرة الناجمة عن واقع النظام الرسمي العربي الذي يعيش أسوأ حالاته، والمرجح للتفكك والانهيار الداخلي بسبب الانقسامات والصراعات بين أطرافه ومكوناته، وتزداد الخطورة مع حجم وطبيعة التدخلات الإقليمية والتهديدات الاميركية التي تعمل على استكمال فرض الحلول الأميركية على المنطقة. وتكريس التغلغل الصهيوني على امتداد العمق العربي وعلى طول مسيرة المجابهة بين الشعوب العربية وأعدائها، وذلك لاستمرار استنزاف ثرواته ومقدراته ومصالح وحدة الشعوب.

وقد اتسمت العقود السبعة الماضية بالكثير من الأحداث والتحولات وأفرزت فريقين متناقضين ومتضادين: فريق التحدي والتصدي والمقاومة، وفريق التسويات والتفريط والاستسلام.

ومن المرجح أن يتقدم أصحاب نهج الاستسلام في المرحلة القادمة بذريعة الواقعية وإقناع الشعوب باختلال موازين القوى العالمي لمصلحة أميركا والامبريالية العالمية وتدهور الوضع العربي واختناقه بأزمات حادة، بما يحتم على فريق التحدي والمجابهة رص الصفوف لخوض معركة قاسية ضد نهج المساومة والتطبيع، فالواجب مقاومة هذا النهج وفضحه والتحذير من عواقبه الوخيمة، وتعزيز الثقة بشعوبنا على امتداد الوطن العربي وتوعيتها بالإنجازات والمكاسب التي تحققت بسبب المقاومة والصمود وحجم الخسائر التي سببها استسلام الكثير من القادة والحكام.

وبعد 71 عاماً من الاحتلال نسأل أدعياء الواقعية ونقول لهم: هل تنازلاتكم أقنعت العدو الصهيوني بالتخلي عن عدوانيته وعنصريته؟.. هل توقف مسلسل الاستيطان واغتصاب الأرض وتهويدها؟.. هل اعترف العدو الصهيوني بالحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية؟.. هل توقفت المشاريع والمخططات الصهيونية على مستوى العالم والتي من الواضح أنها تتمدد وتتغول في الجغرافيا العربية كنتيجة متوقعة لمحاولات فريق التطبيع إنهاء حالة المواجهة مع و«إسرائيل»، وإقامة العلاقات الدبلوماسية معها وتحقيق مشروع الشرق الأوسط الجديد بنسخته التطبيعية الذي بدأ منذ نحو ثلاثة عقود، وأخذ يتطور ويختلف من مرحلة إلى أخرى؟ الأمر الذي يستوجب تغيير طبيعة النضال ضد التطبيع وأساليبه، وحالياً يشهد التطبيع الرسمي من قبل بعض الأنظمة العربية محاولات غير مسبوقة ومعهودة من ذي قبل، بينما يتم العمل على استهداف مختلف فئات الشعب لتحقيق التطبيع على المستوى الشعبي.

ولذلك جبهة المقاومة مطالبة بصياغة استراتيجية قادرة على استنهاض طاقات الجماهير العربية الكفاحية وانتشالها من اليأس والإحباط وتفجير قدراتها الإبداعية الكامنة.

من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن نقطة الارتكاز في النهوض الجديد لحركات المقاومة والتحرر العربية هي اتخاذ قرار سياسي بالصمود وتحدي الهزيمة ورفض التعايش مع الواقع الأميركي الإمبريالي الصهيوني الذي يُراد فرضه على الشعب الفلسطيني وعموم المنطقة، فالقضية الوطنية وحقوق الشعب الفلسطيني باتت تتعرض لخطر التصفية أكثر من أي وقت مضى، وذلك في ضوء بيئة طبيعة النظام الدولي المُسيطَر عليه أمريكياً والحاضن كلياً للمخططات والسياسات الإسرائيلية وأيضاً في ضوء استمرار حالة الانقسام الفلسطيني وفي ضوء التمهيد العملي لتطبيق صفقة القرن بقرار ترامب المتعلق بالقدس واستهداف قضية اللاجئين والأونروا ودعم المخططات الاستيطانية لضم أكبر مساحة ممكنة من أراضي الضفة الغربية، إضافة إلى دعم الولايات المتحدة لمنطق التنكر للحقوق الفلسطينية، وتجاهل الشرعية الدولية وقراراتها الخاصة بحقوق الشعب الفلسطيني، والتوسع الاستيطاني في أراضي الضفة والعدوان على مدنها وقراها بالقتل والاعتقال والتنكيل وهدم المنازل، وتسريع وتائر تهويد القدس ومحاولة تفريغها من أكبر عدد من سكانها الفلسطينيين، واستمرار حصار قطاع غزة ومحاولة فصله التام عن الضفة، والاستفراد به وتصعيد العدوان بحقه كما جرى في العدوان الأخير عليه، والذي أوقع عشرات الشهداء والجرحى إضافة إلى الخسائر المادية الكبرى.

سبعة عقود مضت وما زال الشعب الفلسطيني يتذكر مشاهد النكبة التي حلت به حيث تشرد ما يزيد على 800 ألف فلسطيني من قراهم ومدنهم من أصل 1.4 مليون فلسطيني كانوا يقيمون في فلسطين التاريخية عام 1948 في أكثر من ألف قرية ومدينة فلسطينية.

وسيطر الاحتلال الإسرائيلي خلال مرحلة النكبة على 774 قرية ومدينة فلسطينية، حيث تم تدمير 531 منها بالكامل وما تبقى تم إخضاعه إلى كيان الاحتلال وقوانينه. وترافقت عملية السيطرة بعمليات تطهير عرقي وارتكاب أكثر من 70 مجزرة اقترفتها العصابات الصهيونية بحق الفلسطينيين أدت إلى استشهاد ما يزيد على 15 ألف فلسطيني. وبلغ عدد الفلسطينيين الإجمالي في العالم في نهاية عام 2018 نحو 13.1 مليون نسمة، ما يشير إلى تضاعف عدد الفلسطينيين أكثر من 9 مرات منذ أحداث نكبة 1948، أكثر من نصفهم (6.48 ملايين) نسمة في فلسطين التاريخية (1.57 مليون في المناطق المحتلة عام 1948).

وتشير الإحصاءات السكانية إلى أن عدد السكان نهاية 2018 في الضفة الغربية – بما فيها القدس – بلغ 2.95 مليون نسمة، ونحو 1.96 مليون نسمة في قطاع غزة. وبلغ عدد السكان حوالي 447 ألف نسمة في نهاية عام 2018 بمحافظة القدس منهم نحو 281 الف نسمة.

وفي ضوء هذه المؤشرات فإن الفلسطينيين يشكلون حوالي 49% من السكان المقيمين في فلسطين التاريخية، بينما يشكل اليهود ما نسبته 51% من مجموع السكان ويستغلون أكثر من 85% من المساحة الكلية لفلسطين التاريخية (البالغة 27,000 كم2).

وبالرغم من تصاعد وتائر العدوان فإن التاريخ يعلمنا أن إرادة الشعوب دائماً أقوى من مخططات أعدائها فلم يتوقع الغرب بقياداته الأميركية والبريطانية والصهيونية أن يبقى الشعب الفلسطيني يقاتل كل هذه السنوات، لذلك مهما تتابعت حلقات المخططات الأميركية فإن الصراع سيفرض نفسه على الجميع برغم قرارات بعض القادة والحكام، وبرغم ركام معاهدات وصفقات الاستسلام، فالصراع المصيري لا يمكن أن ينهيه قرار من حاكم أو معاهدة أو مؤتمر عابر.

* كاتب فلسطيني. - mohabo00@hotmail.com