2019-05-29

"بنو إسرءيل" و"إسرائيل"والمخطط الامريكي..!


بقلم: بكر أبوبكر

في العادة ما يخلط السياسيون المركّبون من عجينة الأوهام والخرافات الدينية الايديولوجية بين ذرات التاريخ التي تذروها الرياح لأسطوريتها وبين الواقع والحقائق على الأرض.

واعتاد (نتنياهو) أن يخلط متعمدا ويوظّف الأساطير التوراتية البالية لخدمة أغراضه باحتلال فلسطين كما فعل بن غوريون وجابوتنسكي وهرتزل والعصابة الاستعمارية قبله، ومصوّرا الحدث وكأنه عودة لأناس يسميهم (شعب) لبلادهم بعد آلاف السنين.

كما سار على عقبِيهِ مجموعة من التوراتيين الذين جعلوا من التاريخ فصلًا من فصول التوراة..! بمعنى أنهم قاموا بتطويع أو بالحقيقة فبركة وتزوير حقائق التاريخ لتتوافق مع أقاصيص وروايات وخرافات التوراة، أو كما أسمى سِفر القضاة فيها عالم الآثار الاسرائيلي "اسرائيل فنكلستاين" أنها خرافات لاحظ لها من الحقيقة.

وكما أشار لمجمل التوراة أنها لا تُعتمد أن تكون سجِلّا تاريخيا موثقا على جغرافيا فلسطين لأنها بالحقيقة أي التوراة تشتمل على آمال ورغبات وقصص وأساطير ودمجت كلها معا من قبل كتبة التوراة.

التوراتيون المسيحيون أي أولئك المفسّرين للتوراة من المسيحيين الغربيين حاولوا منذ القرن 18 أن يجعلوا من أسطورة (أرض الميعاد) الفاسدة دينيا، وكأنها ترتبط بفلسطين بعد ان كانت الكنيسة ترى أن القدس أو(أرض الميعاد) (في القرآن الأرض الموروثة) هي في الجنة، بمعنى أن الأهداف الاستعمارية والعنصرية هي التي حرّكَت التوارتيين ليجعلوا من الجنة السماوية تصبح أرضية فأبدية على مجموعات أوربية من قوميات متعددة ذات دين واحد (اليهودية) لتُرسّم في فلسطين مستعمرة غربية متقدمة.

استغلال الدين لأهداف استعمارية صِرفة هو ما استخدمه الفرنجة (الصليبيون الغربيون) ثم الاستعماريون العنصريون البيض لاحقا لغرض وحيد أوحد هو تدمير هذه البلاد وتفتيت هذه الأمة الى الأبد، وحمل ذات الراية رؤساء أمريكان رأوا في الكيان الاستعماري الرأسمالي فزّاعة للأمة العربية بمسلميها ومسيحييها وبثرواتها وطاب لهم أن يظل خازوقا في جسد الأمة دُقّ ولن يقلع.

من المشهود له أن الرئيس محمود عباس قد رد بقوة لم يستطِع الكثيرون أن يفعلوها، وتمثل رده بتبني الرواية التاريخية والجغرافية الحقيقية لفلسطين، وقال ذلك وكرّره عشرات المرات وفي عشرات الخطابات ليضع الفارق بين الكيانات السياسية (فلسطين و"اسرائيل") على أرض فلسطين، وبين أرض فلسطين الواحدة، وطننا.

ان الصِّلة بين قبيلة بني اسرءيل (ترسم هكذا برأي د. زياد منى للتفرقة عن "اسرائيل" اليوم) القديمة المنقرضة وبين محتلي بلادنا اليوم صِلة غير موجودة البتة فهم بغالبهم أوربيين وروس. إذ حين تكون عشرات الجنسيات التي اعتنقت اليهودية عبر التاريخ غير قبيلة بنى اسرءيل القديمة تكون الحقيقة ناصعة أن قبائل عربية أخرى ثم غير عربية من فارسية وكردية وتركية قد اعتنقت الديانة ليتلوها في القرن العاشر الميلادي قبائل جنوب روسيا (الخزر) فيصبح اليوم غالبية يهود العالم من قوميات غير عربية بالحقيقة ولا صلة لهم بالمذكورين المنقرضين في الكتب المقدسة (يراجع أرثر كوستلر وشلومو ساند...)

في السياق القرآني ناقشنا في كتابنا فلسطين وأساطير اليهود في القرآن الكريم الكثير حول موضوع القبيلة العربية المنقرضة (بنى اسرءيل) ومعاني (الوراثة) و(الكتابة) (التفضيل) بما هي كُتبت أي فُرِض عليهم دخولها كأمر للدعوة للتوحيد وليس تملّك أرض كأنها طابو وغير ذلك من مفاهيم خائبة.

ونضيف له هذه العُجالة وَهْم بعض المسلمين وقِلّة وعيهم أو قلة فهمهم للقرآن الكريم إذ يرون مثلا أن الأرض المقدسة (بغض النظر عن موقعها الجغرافي أو حجمها المختلف عليه، اضافة لانقضاء زمنها) قد حُرّمت على بني اسراءيل 40 عاما ثم أصبحت لهم؟! ما هو فكر توراتي بحت، أو تفسير لا نقره لأنه يمثل فكرا عنصريا غير صحيح ولا يليق.

"قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ"-26 المائدة

فالآية الكريمة 26 من سورة المائدة تقول "قال فإنها محرمة عليهم". نقطة وأول السطر بعد كلمة "عليهم"، أي أنها تقرر أنها محرمة على تلك القبيلة القديمة البائدة الى الأبد.

وان تاهوا 40 سنة عقابا لجحودهم، وبغض النظر عن الجغرافيا -أي جغرافيا نشأة التوراة ومسرحها- وفيها آراء متعددة من اليمن الى العراق الى مصر الى فلسطين الى غيرها، فإن الحقيقة أن مصطلحات التوراة الخرافية (بالأرض الموعودة) أو (الشعب المختار) هي مصطلحات توراتية عنصرية لا شأن للقرآن الكريم بها الذي جعل من الإيمان والصلاح ونشر رسالة التوحيد وعمل الخير الخ هو مبرر التفضيل والوراثة والاختيار لأي جماعة لإعمار الأرض والرسالة (وراثتها وكتابتها وتفضليها واختيارها-المصطلحات الواردة بالقرآن بالقصص المتعلق بالقبيلة البائدة)، وليس المقصود بهذه المصطلحات او الكلمات انتصارا لقبيلة أو جماعة بشرية على أخرى حاشا لله.

الآية الكريمة تقول (فإنها محرمة عليهم) ثم نقطة. ثم يليها التيه لأربعين سنة أي كما يقول ابن كثير والبغوي في تفسيريهما (انهما محرمة عليهم) هذا وقف تام، أي نقطة وأول السطر أي محرمة عليهم أبدا تحريم منع.

ان الحُرمة لتلك القبيلة المنقرضة -أو لمن يقتدون بها ممن اتبعوا دينهم- هي حُرمة أبدية وإن دخلوها غصبا واستعمارا وقتلا وحسدا كما حسدوا الرسول (ص) وحاولوا قتله لأنه ليس منهم بل من الاميين (أي غير اليهود) فإن هذا لا يزيل مفهوم التحريم، ما هو معاكس للشائع من التفسير المضلل لدى الانجيليين المتصهينين ولدى غُلاة يهود اليوم والساسة الصهاينة بل ولدى بسطاء المسلمين.

إن المخطط الامريكي الذي ظهر الجزء الأول منه متمثلا بالارتباط بالرواية التوراتية المكذوبة التي يحملها "ترامب" و"نتنياهو" وفريق كل منهما على أكتافهم قد تجلي هذا الجزء بنقل السفارة الامريكية والاعتراف بها عاصمة لـ"إسرائيل" ثم بإسقاط ملف اللاجئين والتبرع بالجولان لـ"إسرائيل" على طريق التبرع بالضفة أيضا من خلال تشريع الاستعمار في خلط لم يسبق له مثيل بين الروايات والخرافات التاريخية وبين السياسة والفكر الايديولوجي/الفكراني الديني العابق بالأوهام.

ولكن للقوة سطوتها وليس للضعيف حتى في القدرة على التصدي للرواية إلا الصمود والثبات والمقاومة أو الانتكاس والضلال والوبال.

وفي الجزء الثاني أي في الوبال فإنه يمثل ما هو حاصل اليوم مع أبعاض الأمة ممن نالت منهم أبواق الدعاية الصهيونية والاستعمارية الجديدة والاعلامية المخادعة فجعلتهم كالقشة في مهب الريح لا يسعون الا لإشباع بطونهم بإفراغ عقولهم وامتاع ما بين أرجلهم وليذهب كلام الله الحق، ولتذهب الحقيقة وعلم الآثار الى الجحيم.

لأن في اتباع الحق عمل ونضال، وجهاد: جهاد صناعة وزراعة واقتصاد وجهاد علم وتقانة، وجهاد عمل وإبداع، وجهاد دفاع عن مقدسات الأمة، والأمة استرخت فتكرشت فاستُصغِرت فذلّت.

* الكاتب أحد كوادر حركة "فتح" ويقيم في رام الله. - baker.abubaker@yahoo.com