2019-05-28

العمل ثابت والمال متغير.. كيف؟!


بقلم: د. عبد الرحيم جاموس

سأجيب على هذا السؤال من خلال تجربتي الشخصية المتواضعة.. في صيف العام ١٩٦٨ وخلال العطلة المدرسية عملت عاملا مدة اربعين يوما تقريبا مع شركة شاهين للمقاولات التي كانت تنفذ مشروع مدينة الملك حسين الطبية في عمان وقد تقاضيت اجرا بلغ قرابة واحد وعشرين دينارا عن تلك المدة اي بواقع ستون قرشا عن كل يوم عمل.

ماذا صنعت بذلك المال؟
لقد صنعت اشياء كثيرة.. فقد اشتريت عددا من ابواط الرياضة الفاخرة الخاصة بالجري وكرة السلة وكرة القدم وكرة اليد وحذاء من شركة باتا.. وعدد من من القمصان وعدد آخر من البنطلونات ما يزيد عن حاجتي لمدة سنة.. وتبقى معي اكثر من نصف المبلغ نقدا ساعدت فيه الأهل وبقي لي ايضا مبلغ آخر كمصروف لشاب او فتى في ذلك الزمن.

لماذا المبلغ المشار اليه لا يمكن ان اقضي به اليوم عشر الحاجات التي كنت قضيتها به في ذلك الزمان؟ ما الذي تغير؟ هل تغيرت قيمة العمل ام تغيرت قيمة الدينار؟

الحقيقة ان العمل أو الجهد في اي عمل ثابت.. وإنما الذي تغير هو قيمة الدينار أي النقد او العملة.. إن زيادة كمية النقد المتحصل عليها لا تعني ابدا رفع قيمة الأجور عن نفس العمل او الجهد وإنما تعني خفض قيمة العملة او النقد.. وهذا ما حصل مع الدينار الذي انخفضت قيمته انخفاضا حادا عما كانت عليه قيمته في عام ١٩٦٨.. بحيث بات دينار اليوم لا يتعدى واحد او اثنين بالمئة عما كانت عليه قيمته في ذلك الزمان.. وكذلك إنخفضت بقية العملات الاخرى بما فيها العملات الدولية وفي مقدمتها الدولار الأمريكي.. فكثرة المال والنقد اليوم لا تعني أكثر من كلمة تضخم..!

فمحتكري إصدار او طباعة النقود هم الذين يستحوذون عليها وعلى جهود العاملين في مختلف القطاعات من خلال تحديدهم لقيمة النقد وبالتالي لقيمة العمل والسلع المختلفة..!

ومن هنا تبقى السيطرة للبنوك المركزية وعملاؤها من البنوك والمصارف الاخرى والذين يحتكرون دورة المال ويحددون حجم النقد المتاح.. وبالتالي ينفردون في التحكم بالأجور وبتحديد ثمن السلع المختلفة بحيث تبقى السيطرة السياسية والإقتصادية المطلقة لهم على راس المال وعلى السلع وعلى قيمة العمل وعلى السياسة في نفس الوقت..!

فزيادة حجم النقد المتداول في السوق وبين ايدي الأفراد والمؤسسات تعني التضخم فقط.. والذي لا يقابله انتاج جديد او بذل جهد جديد.. فيبقى الجميع اسرى لسيطرة راس المال المحلي والدولي الذي يهيمن عليه الدولار الأمريكي وصناعه..!

من هنا علينا ان نفكر في الكيفية الواجبة للتحرر من سيطرة رأس المال وأدواته المصرفية والبنكية محليا ودوليا.. ومن هنا علينا ان ندرك ابعاد الحرب التجارية الجارية اليوم بين الإقتصاديات الدولية الكبرى وخصوصا بين الصين والولايات المتحدة واوروبا وكوريا واليابان.. ومدى اهمية البحث عن عملات موازية للدولار الامريكي الذي يمثل اهم وحدة احتساب نقدية في التجارة الدولية والقروض الدولية.

اذن هو التضخم في حقيقته اداة مهمة للإستمرار في السيطرة على الأفراد وعلى الدول وإستمرار هيمنة رأس المال وبنوكه ومصارفه على تحديد ثمن السلع وتحديد قيمة العمل بحيث يبقى الإستغلال للعمال والموظفين والمنتجين الصغار قائما.

هلا ادركنا كيف كان المبلغ واحد وعشرين دينار في العام ١٩٦٨ افضل من مبلغ الفين ومائة دينارا اليوم؟!

* عضو المجلس الوطني الفلسطيني - الرياض. - pcommety@hotmail.com