2019-05-27

المال مقابل "السلام" - الارض مقابل "السلام" =  ورشة ترامب البحرينية..!


بقلم: د.باسم عثمان

تناولت القهوة واطراف الحديث انا وجدي صباح هذا اليوم، كالعادة الفلسطينية القديمة، وبادرني بالسؤال التالي:
-    شو اللي رح يصير بالمنامة يا جدي الشهر القادم؟ هيك عم يحكوا بالاخبار..
-    ورشة عمل اقتصادية يا جدي لتحسين اوضاع الفلسطينيين تموينيا.  
-    احنا رح نحضر كفلسطينيين ومين المدعوين على هادا العرس الفلسطيني يا جدي؟
-    لا يا جدي.. القيادة الفلسطينية لحد الآن رافضة الحضور.. والمدعوين واللي وافقوا يا جدي السعودية والامارات والبحرين..!
-    يا جدي.. عُرس.. بدون العريس والعروس.. كيف بدو يصير؟
-    هيك امريكا قررت يا جدي وللأسف البحرين وافقت..!
-    شوف يا ابني.. اذا العريس ما حضر والعروس غابت.. معناتو ما في مولود جديد يحمل مورثات امريكية بعيون خضرا في المستقبل القريب..! ولا شكلوا بيشبه الامريكان..!
-    طبعا يا جدي.. اذا ما في عريس معناتو ما في مولود جديد لا بعيون خضرا ولا زرقا..

-    شوف يا ابني.. العريس ما بدو يحضر كتير منيح.. بس لازم يدير بالو على حالو.. يحصن نفسو ويقوي نفسو.. لازم يتصالح مع اهلو وعيلتو.. مشان ما يغدروا فيو المرة الجاي..!

إنّ أمريكا وإسرائيل تحاولان، من خلال ورشة "الانعاش الاقتصادي" في المنامة، تمرير "صفقة القرن" من بوّابة الإصلاحات الاقتصادية الانعاشية أولا، على أن يعقبه الشقّ السياسي لاحقاً.

وتعتبر ورشة العمل "الاقتصادية" في المنامة استكمالاً لمشروع ترامب الذي بدأه بإغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وقطع المساعدات عن اللاجئين الفلسطينيين، وتجفيف المنابع المالية لـ"الاونروا"، والاعلان الامريكي "بسيادة اسرائيل على الجولان السوري" ..الخ.
  
ان خطورة ما تُسمّى "الورشة الاقتصادية" تحت عنوان "السلام من أجل الازدهار"، لا يعدو عن كونه منصّة لإعلان الانخراط الرسمي الخليجي العربي بغالبيته في تبني "صفقة ترامب"، وتبني رؤية نتنياهو المدعومة أمريكياً لما يُسمى "السلام الاقتصادي"، كحلٍ للصراع العربي والفلسطيني مع الاحتلال الإسرائيلي.

إن مؤتمر المنامة الذي يهدف إلى دمج كيان الاحتلال ضمن مكونات المنطقة العربية وفرضه واقعاَ مقبولاً في الشرق الأوسط الجديد، وتصفيه القضية الفلسطينية وتمرير مشاريع استعمارية في الأقطار العربية، ما يحتم على كافة القوى الوطنية الفلسطينية والعربية التصدي لهذا المؤتمر بكافة الأشكال التي تحول دون تمرير "صفقة القرن" وأدواتها ومخططاتها.

بصراحة وأكثر وضوحاً لم يعد الأمر خافياً أن سبب رفض المستوى السياسي الفلسطيني الرسمي – وهو موقف وطني يسجل له- لا يتعدى كونه فشل في إدارة الدبلوماسية الفلسطينية وسياساتها اقليميا ودوليا، وعجزها عن تقديم رؤية سياسية واضحة المعالم لإدارة الصراع مع الاحتلال الاسرائيلي من خلال حراك وطني ميداني وسياسي دبلوماسي يضمن استمرارية القضية وعناوينها الرئيسية على طاولة المحافل الدولية ومحل اهتمامها.

حالة التخبط في إدارة الموقف السياسي الرسمي في ظل انقسام فلسطيني – فلسطيني وغياب برنامج عمل وطني توافقي في هذه المرحلة جعل الارتباك وعدم وضوح الرؤية  في إدارة المواقف الوطنية واضحاً على كافة الصعد والمستويات، ولا يكفي ان نعلن اعلاميا فقط اننا ضد مؤتمر المنامة وورشتها الاقتصادية، في الوقت نفسه، نلتزم بالتنسيق الأمني مع الاحتلال من جهة..! وأبواب التنسيق والتشاور مع الإدارة الأمريكية مفتوحة..! ومكبلين بملاحق والتزامات اتفاق باريس الاقتصادي..!

ان الرؤى السياسية الواضحة والوطنية التوافقية والمقاومة لكل مخططات التصفية للقضية الفلسطينية بشقيها (الاقتصادي والسياسي)، لا بد لها ان تكون بعيدة عن المزاجية السياسية المرحلية المتوافقة احيانا مع صلابة الرأي العام الفلسطيني والتماشي معه، والعمل على تخديره من جهة، والتحالفات المحورية الإقليمية ذات الأجندات الخاصة والتي لا تصب في مصلحة القضية الفلسطينية من جهة اخرى.

مما لا شك فيه أن مؤتمر المنامة يقوم على رؤية اقتصادية بحتة لمعالجة الشأن الفلسطيني العام برؤية أمريكية تمثل غطاءاً سياسيا لسياسات الاحتلال الاستيطانية وضمها للأراضي الفلسطينية المحتلة، وتأمين غطاء عربي (خليجي) وإقليمي للمخطط الترامبي يتوافق مع موازين القوى السياسية العالمية.

ان حالة الفراغ السياسي الذي تشهده الساحة الفلسطينية في ظل انقسام سياسي للنظام الرسمي الفلسطيني وعدم المقدرة على انهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية من  جهة، وفي ظل غياب الموقف العربي الموحد تجاه معالجة المحاور الرئيسية المفصلية لقضية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي على أسس تعتمد في موقفها على المواثيق الدولية والقرارات الاممية ذات الصلة، يجعل الأمر أكثر صعوبة وأشد تعقيداً على الواقع الفلسطيني، في اتخاذ خطوات أولية على طريق بناء موقف من جديد يحدد ويكرس الرؤية الوطنية الفلسطينية على أساس الحل الشامل والعادل لمرتكزات القضية الفلسطينية.

لا سلام دون تحقيق العدالة الوطنية والإنسانية للشعب الفلسطيني التي تقوم على   خلاصه من الاحتلال وحقه في اقامة دولته المستقلة على ارضه وضمان حق العودة لارضه وممتلكاته والتي هجر منها قسرا، لان السلام السياسي العادل هو الذي يقود الى السلام والازدهار الاقتصادي، وليس العكس.

ان الموقف الرسمي الفلسطيني المعلن من ورشة المنامة الاقتصادية، وبدون ادوات الضغط والمقاومة في الميدان وفي مقدمتها دعم و تعميم اشكال المقاومات الشعبية على امتداد جغرافية تواجد شعبنا، والتحرر من التزامات اوسلو الامنية والاقتصادية، لن يكون له معنى وطني وعامل مؤثر في اعادة رسم الخارطة الوطنية السياسية والمقاومة لكل مشاريع التصفية للمخطط الاسرائيلي - الامريكي في المنطقة وعامل معطل لنتائج ورشة المنامة وتطبيقات "صفقة القرن".

ان قرار عقد "ورشة المنامة الاقتصادية"، دون الاهتمام بالموقف الرسمي الفلسطيني،  وهو "العريس الغائب" عن "حفلة زفافه"، يمثل الرسالة الأبرز للقيادة الفلسطينية ان المسار القادم لتنفيذ البعد الإقليمي للخطة الأمريكية لا تشترط المشاركة الرسمية الفلسطينية و"العريس الفلسطيني"، وهي بحالة الموت السريري والضياع سياسيا ومجردة من كل ادوات الضغط والقوة في الميدان والمواجهة على الارض من خلال برنامج وطني مقاوم يلتف حوله كل الشعب الفلسطيني وقواه الوطنية والسياسية.

* كاتب وباحث فلسطيني - دكتوراه في الفلسفة وعلم الاجتماع- دمشق. - mansour.othman12@gmail.com