2019-05-25

"حربة" التطبيع..!


بقلم: محمد السهلي

يمكن القول إن «مؤتمر المنامة» يحدد مسار فصل جديد من صفقة ترامب، بعدما رسمت الخطوات والمواقف تجاه القضية الفلسطينية التي سبقته طبيعة الحل السياسي الذي تسعى إلى فرضه. وليس صحيحا أنه تم تأجيل أي من عناوين الصفقة الأميركية وأهدافها لأنها أُبلغت للشركاء وللأطراف المعنية بالتنفيذ وسُربت قصدا إلى وسائل الإعلام على يد مهندسي الصفقة أنفسهم.

والمؤسف أن ردات الفعل الباهتة على القرارات والإجراءات الأميركية بخصوص القدس وقضية اللاجئين الفلسطينيين ووكالتهم «الأونروا»، رسمت أمام إدارة ترامب طريقا أسهل مما توقعته للمضي في تطبيق خطتها.

ويكشف الإعلان البحريني - الأميركي المشترك عن المؤتمر المذكور الدور الخطير الذي يلعبه التطبيع الرسمي العربي مع الاحتلال، والذي يجعل عددا من الدول العربية رأس حربة في تنفيذ المشروع الأميركي - الإسرائيلي على حساب حقوق الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة.

لقد كان جاريد كوشنير واضحا عندما تحدث عن مقاربة إدارة ترامب وفهمها «الخاص» لطبيعة الصراع الفلسطيني والعربي - الإسرائيلي. وبالتالي لمحددات تسوية هذا الصراع. فقد رأى أن المبادرات الأميركية والدولية السابقة في هذا الشأن قامت على أسس «تقليدية»، من خلال سعيها للتوصل إلى اتفاق توقعه أطراف الصراع وتعلن من خلاله عن فصل ختامه. ومع أن الإدارات الأميركية السابقة انحازت بشكل واضح إلى الرؤية السياسية والاعتبارات الأمنية الإسرائيلية، إلا أن كوشنير يأخذ عليها إضاعة الكثير من الوقت دون جدوى.


أحد الفروق المهمة بين إدارة ترامب وبين من سبقتها، هو أن الإدارات السابقة تركت لاختلال ميزان القوى على الأرض لصالح الاحتلال الإسرائيلي أن يفعل فعله في سياق الممارسة العملية على جبهة الاستيطان وفي سياق المفاوضات ايضا، لكنها في الوقت نفسه ضغطت بشكل مستمر للتوصل إلى اتفاق مشترك.بينما تعمل إدارة ترامب حاليا على ترجمة اختلال موازين القوى وتحويله واقعا سياسيا واجتماعيا واقتصاديا مستداما. وعلى هذا الأساس بدأت إدارة ترامب ولايتها بقرارات وإجراءات مست صميم المشروع الوطني الفلسطيني بخصوص القدس وقضية اللاجئين وقبل ذلك الاستيطان. وعلى هذا الأساس أيضا تبنت هذه الإدارة المشروع السياسي لبنيامين نتنياهو بخصوص التسوية والمتمثل في خطة «السلام الاقتصادي»، التي تتوافق مع مقاربتها الخاصة للصراع، ومع طبيعتها كإدارة رجال أعمال وصفقات.

فبدلا من الانشغال في «ماراتون» المفاوضات بين طرفين متقابلين في المواقف، تطرح إدارة رجل الأعمال ترامب مشروعها «التنموي» في الأراضي الفلسطينية المحتلة مثل أي شركة استثمار تخطط لبناء منطقة سياحية جاذبة للمستثمرين. وهي من هذه الزاوية حصرا جعلت من عنوان «الازدهار طريق السلام» شعارا لـ«مؤتمر المنامة» الاقتصادي - السياسي.

وعلى اعتبار أن الجانب الفلسطيني هو الأضعف في المعادلات الإقليمية والدولية، كما تقرأها إدارة ترامب، فإنه الطرف المؤهل بالنسبة لها كي يدفع أكلاف «الحل الإقليمي». وقد ساعدتها عوامل كثيرة للتوصل إلى هذه القراءة.

    فالحالة الفلسطينية تعيش واقع الانقسام وتداعياته منذ العام 2007، ويتفاقم هذا الواقع مع مرور الوقت، مما فتح الطريق أمام حكومات نتنياهو للتعامل مع الوضع الفلسطيني وفق مسارين منفصلين، ربطا بالواقع القائم في كل من الضفة وقطاع غزة. وقد شجع هذا الواقع إدارة ترامب على استيلاد سيناريوهات لكيانية فلسطينية مستقبلية أساسها خريطة الانقسام.
إلى جانب الانقسام، تعيش السياسة الرسمية الفلسطينية حالة من الارتباك والتردد لازمت أداءها منذ سنوات طويلة. فعلى الرغم من موقفها المعلن رفض صفقة ترامب وماصدر عن إدارته من قرارات بخصوص القضية الفلسطينية، إلا أنها لم تمض في الاتجاه المفترض نحو مواجهة الصفقة وأخطارها بسياسات عملية. وهذا أيضا من ضمن المؤشرات والوقائع التي رسمت أمام إدارة ترامب طريقا أسهل مما حسبت له في سياق تطبيق خطتها.

    والحالة العربية منقسمة على ذاتها في مرحلة تنهش الحروب الداخلية في بنية عدد من دولها، وفي ظل تلاشي «العمل العربي المشترك»، بعد أن توزعت مكونات الحالة العربية الرسمية على خنادق متصارعة مع بعضها البعض. وتراجع الاهتمام العربي الرسمي بالقضية الفلسطينية، التي لم تعد تحتل موقعا جوهريا سوى في البيانات الختامية للقمم العربية.
والأسوأ في المشهد الرسمي العربي هو الهرولة نحو التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، وتحول بعض الدول العربية ،من خلال ذلك، إلى جزء من المنظومة السياسية والاقتصادية التي تسعى لتصفية قضية الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية. وربما نتابع الأسوأ في هذا المشهد مع افتتاح أعمال الورشة الاقتصادية في إطار «مؤتمر المنامة».

    وتدير واشنطن وتل أبيب معا حرب «علاقات عامة» على الصعيدين الإقليمي والدولي لكسر أية معارضات للمشروع الأميركي ـ الإسرائيلي،وتضغطان معا على الكثير من الدول للانضمام إلى جهود إنجاح هذا المشروع. ومن المؤسف أن البرلمان الألماني اتخذا قرارا بتجريم حملة مقاطعة إسرائيل ووضعها في خانة معاداة السامية، وهذا قرار يشجع الاحتلال الإسرائيلي على ارتكاب المزيد من الجرائم بحق الشعب الفلسطيني. ومن المؤسف أيضا أن يتحدث الاتحاد الأوروبي عن ضرورة فحص مناهج التعليم الفلسطينية تحت ادعاءات أنها تتضمن تحريضا على «الكراهية»، وفهم من ذلك أن أي تمجيد للنضالات الفلسطينية في وجه الانتداب البريطاني أو الاحتلال الإسرائيلي سيقرأ باعتباره تحريضا،وهذه مواقف تتطابق مع الشروط الأميركية التي وضعتها إدارة ترامب من أجل تكييف الحالة الفلسطينية مع واقع الاحتلال.

مع كل ماسبق، ورغم كل العوامل التي ترى فيها واشنطن وتل أبيب تمهيدا لنجاح مشرعهما في تصفية القضية الفلسطينية، إلا أن العقبات التي يستطيع الفلسطينيون وضعها في طريق الصفقة كبيرة ومؤثرة. لكن حتى يتحقق لهم الفوز في هذه المواجهة لابد من توحيد جهودهم عبر إنهاء الانقسام وفق اتفاقات الحوارات الوطنية الشاملة، والبدء فورا في تطبيق قرارات المجلسين الوطني والمركزي وتدويل القضية الفلسطينية واعتماد إستراتيجية وطنية موحدة أساسها مقاومة الاحتلال عبر إعادة الاعتبار إلى البرنامج الوطني التحرري.

فالمخاطر التي تتعرض لها قضية الشعب الفلسطيني وحقوقه، تتعاظم وفق أجندة منهجية في الإجراءات والتوقيت، وتحتاج مواقف فلسطينية سياسية وميدانية موحدة تتجاوز الرفض الإعلامي باتجاه المواجهة، وخاصة أن إدارة ترامب ومعها حكومة نتنياهو لا توفران ضغطا أو تهديدا من أجل فرض مشروعهما على الشعب الفلسطيني وعموم شعوب المنطقة.

* *رئيس تحرير مجلة "الحرية" الناطقة بلسان الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين- دمشق. - -