2019-05-11

إسرائيل ما بين جدار وجدار..!


بقلم: د.ناجي صادق شراب

لا يمكن فهم سياسات إسرائيل، والعقيدة السياسية لبنيامين نتنياهو المجددة لعقيدة جابوتنسكي مؤسس الصهيونية التحريفية فيما يتعلق بضم الآراضي الفلسطينيىة والعربية وموقفه من التسوية السياسية وبناء المستوطنات ورفض فكرة الدولة الفلسطينية، إلا من خلال العودة لقراءة سياسة الجدار الحديدي وجذورها والتي حملت عنوان الكاتب الإسرائيلي آفي شلايم: "الجدار الحديدي: إسرائيل والعالم العربي". هذه السياسة التي رفعت شعارات ومقولات كثيرة منها هذه العروس جميلة ويقصد بها فلسطين لكنها متزوجة من رجل آخر..!

وقبل الحديث عن هذه السياسة الآن، اعود لفكرة مؤسسها جابوتنسكي الذي كتب مقالتين له عام 1923 بنفس العنوان. وملخص مقالتيه أنه لا يجوز قتل الحلم بالتوصل إلى إتفاق بيننا وبين عرب أرض إسرائيل.. ملاحظة أنه يستخدم تعبير عرب ارض إسرائيل، وادرك أن العرب في البلاد وهم أمة حية لن يتخلوا أو يتنازلوا عن حقوقهم الأساسية.. وإننا فقط إذا أقمنا جدارا حديديا، بمعنى قوة عسكرية كبرى وقوة عظمى، فربما يرضخ هؤلاء العرب، وعندئذ يتنازلون عن أرض إسرائيل.. هذه السياسة ما زالت قائمة في التعامل مع الفلسطينيين مع إضافة الجدار الأسمنتي الذي يقطع الآراضي الفلسطينية إلى كانتونات منعزلة، ويفصل بين الفلسطينيين في كتل بشرية متباعدة يسهل التحكم فيها.

ولقد مارست إسرائيل حتى قبل قيامها هذه السياسة، فجابوتنسكي تمسك بالنهج المتشدد المتطرف الرافض لكل المبادرات والأطروحات التي طرحتها بريطانيا زمن إنتدابها، مقابل الإتجاه الذي تبناه بن غوريون مؤسس الصهيونية الليبرالية، وإن كان لا يختلف مع جابوتنسكي إلا انه كان يميل لمهادنة بريطانيا حتى يحقق ما يريد. والفكرة الأساسية التي قامت عليها سياسة الجدار الحديدي رفض فكرة التنازل، وأن إسرائيل إذا ما تنازلت فهذا يعني فشل الحركة الصهيونية، ويعني المزيد من التنازلات، والقوي لا يتنازل، ومن يريد السلام هم العرب لذا عليهم ان يقدموا التنازلات.

وتاريخيا تجسدت فكرة الجدار الحديدي في رفض فكرة التقسيم، او القبول بتقاسم الأرض بين الإسرائيليين والفلسطينيين.. ومن منظوره أرض إسرائيل غير قابلة للتنازل، وهذا الموقف ظهر أولا في رفض "مشروع بيل" لتقسيم فلسطين والذي قدمته اللجنة الملكية البريطانية عام 1938 ورفض قرار التقسيم 181 الصادر عن الأمم المتحده عام 1947، رفضه بيغين بشدة، وهو تلميذ جابوتنسكي، وكما قال إن تقسيم الوطن أمر غير مشروع، ولن يتم الإعتراف به ولن يكون ملزما لإسرائيل، ورفض كل قرارات الشرعية الدولية.

لديهم فكرة تقسيم أرض إسرائيل الكبرى غير قابلة للتفاوض والتقسيم. وكما قال بن غوريون إن الدولة اليهودية الجزئية ليست النهائية وإنما البداية، وسوف ننظم قوة وجيشا متطورا، وسأكون على ثقة عندئذ أننا سننجح بالإستيطان في كل أجزاء البلاد، سواء كان بإتفاق مع جيراننا العرب او بوسيلة أخرى.

هذه السياسة والعقيدة هي التي يؤمن بها نتنياهو، وهو تلميذ لجابوتنسكي وبيغين، ووالده كان يعمل سكرتيرا عند جابوتنسكي. ومنذ أن تولى الحكم في حكومته الأولى عام 1996 وهو يتحايل على فكرة التسوية بل يرفضها، ويتبنى سياسات الضم ومصادرة الآراضي وإنشاء دولة الإستيطان، فلقد قفز على المبادرة العربية وما زال، ورفض التقيد بكل التفاهمات التفاوضية التي توصل اليها الفلسطينيون مع نظرائهم من الإسرائيليين. وقرار ضم الجولان عام 1981، وقرارات قانونية وشرعنة المستوطنات، وقانون القومية الأخير، وتلويحه ووعوده الأخيرة بضم الضفة الغربية، وتجديد مطالبه بالإعتراف بإسرائيل دولة يهودية، وبالحاجات الأمنية لإسرائيل، هو ما يعني عدم التنازل عن أي أرض، والتعامل مع الفلسطينيين ككتل بشرية لها بعض الحقوق الاقتصادية والإجتماعية.

وما ساعده على إحياء سياسة الجدار الحديدي إدارة الرئيس ترامب التي تبنت هذه السياسية بالإعتراف بالقدس عاصمة أبديه لإسرائيل وبالإعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان، والإستعداد للإعتراف بضم الضفة الغربية. وإسرائيل والمدافعين عنها في الولايات المتحدة دافعهم وهدفهم ليس الوصول لسلام تفاوضي، بل تحطيم وإجهاض فكرة المفاوضات من أساسها، والهدف مقايضة قوة إسرائيل العسكرية بتنازلات سياسية من العرب والفلسطينيين.

أبرز ألأمثلة ما قاله مايكل دوران أحد مسؤولي الأمن القومي الأمريكي أن عودة الجولان لنظام الأسد ليست عملية سهلة أو بسيطة، فالنظام السياسي في سوريا غير مستقر، فلا يمكن التعويل على نظام الأسد.. ويشير إلى أن عملية التفاوض مع الفلسطينيين تعاني من عدم الإستقرار، وعلى إسرائيل ان تحقق امنها بقوتها العسكرية وتفوقها. نفس الكلام الذي تحدث عنه جابوتنسكي عام 1923، ولبقاء إسرائيل لا بد أن يسمح لها بضم بقية أراضي العرب. وبعبارة أخرى، وبكلام جابوتنسكي، الأسلوب الوحيد لقبول العرب بالوجود اليهودي في فلسطين بتبني سياسة الجدار الحديدي. وان الوصول لإتفاق في المستقبل ينبغي التوقف عن فكرة السعي لإتفاق في الوقت الحاضر.

إسرائيل غير مستعجلة لأي إتفاق وهذا ما حدث فعلا، ولو تصورنا أن إسرائيل كانت تريد لإتفاقات أوسلو ان يكون هدفها السلام، ما وصلنا لما آلت إليه الأمور من تعقيدات اقرب للصراع منها للسلام.

ما يسود في إسرائيل أن قوة إسرائيل العسكرية هي التي ستشكل إستجابة العرب والفلسطينيين في المستقبل، وصولا للتنازل عن فكرة مقايضة السلام مقابل الأرض، بمقولة جديدة مقايضة السلام مقابل الأمن للعرب. لكن لا يمكن لإسرائيل ان تجمع بين السلام والإحتلال كما يقول آفي شلايم في كتابه "الجدار الحديدي"، فلم تنجح إسرائيل في إلغاء وجود الشعب الفلسطيني، ولم تنكسر إرادته بل إن أحد أهم مظاهر فشل هذه السياسة رغم الضم ومصادرة الآراضي ورفض التسوية ان إسرائيل لا تشعر بالآمان والبقاء رغم قوتها العسكرية، فهذا الآمان والبقاء يبقى بيد الفلسطينيين الذين تحولوا ليس لكتلة بشرية كما تريد بل لشعب يفوق الخمسة عشر مليونا في الداخل والخارج، ولتدرك إسرائيل ان هناك معادلة سكانية بين الفلسطينيين والإسرائيليين ما بين النهر والبحر، فالبديل في البحث عن صيغ التعايش المشترك وليس قوة السلاح التي فشلت تاريخيا.

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@gmail.com