2019-05-05

ترامب وبناء إسرائيل الكبرى..!


بقلم: د.ناجي صادق شراب

بإعتراف الرئيس ترامب بسيادة إسرائيل على الجولان يكون قد أسس لخطوة متقدمة في مشروع إسرائيل الكبرى، ولا شك أن لهذا القرارأبعاده السياسية الخطيرة في تحقيق أهداف إسرائيل وتطلعاتها وتوسيع مجالها الحيوي، فالجولان بما لها من أهمية إستراتيجية ومائية كبيرة وبأهميتها الجيوسياسية تعني من منظور إستراتيجي عسكري أن من يسيطر على الجولان يسيطر على سوريا ومن يسيطر على سوريا يسيطر على لبنان والأردن وما ورائهما.

إسرائيل الكبرى هو الهدف الإستراتيجي البعيد الذي يحكم سياسات الولايات المتحدة ومن قبلها بريطانيا. فلم يعد أحد ثوابت السياسة الأمريكية الحفاظ على أمن وبقاء إسرائيل، بل العمل على ضمان ان تكون إسرائيل القوة الكبرى في المنطقة.

ولم تكتف الولايات المتحدة بالدعم المالي الذي تجاوز حتى الآن 140 مليار دولار، وحماية إسرائيل من عقوبات في مجلس الأمن بالفيتو الأمريكي، وبتعطيل كل قرارات الشرعية الدولية، وبتزويدها بأكثر الأسلحة تفوقا مثل طائرات "إف 35"، بل تعمل اليوم في أكثر من إتجاه..
الأول قبول إسرائيل عربيا، والسعي لأن تكون نواة لأي مشروع أمني في المستقبل، وذلك من خلال التأكيد على ان الخطر الحقيقي للأمن القومي العربي مصدره إيران وليس إسرائيل. الثاني العمل على إلغاء القضية الفلسطينية وتصفيتها وتفكيكها داخليا وعربيا ودوليا. وهذا من خلال تعميق الإنقسام السياسي وتحويله لمشروع إنفصال سياسي، والحيلولة دون قيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية، لأن من أحد أهم مقومات إسرائيل الكبرى عدم قيام دولة فلسطينية، ولذلك ما هو مطروح في الضفة الغربية لن يزيد عن حكم ذاتي موسع، بحكومة بصلاحيات إقتصادية أوسع مع الربط الإقليمي مع الأردن.

ومن مقومات إسرائيل الكبرى التوجه نحوالإعلان الأمريكي على الإعتراف بسيادة إسرائيل الكاملة ليس فقط على القدس بل بالإعتراف بشرعية كل المستوطنات الإسرائيليه في الآراضي الفلسطينية..!

ولذلك من غير المستبعد أن تذهب إدارة الرئيس ترامب لإصدار قرارات تدعم فكرة إسرائيل الكبرى، وهذا قد يكون الهدف الإستراتيجي لـ"صفقة القرن"، تحويل إسرائيل لدولة إقليمية مقبولة لها شرعية إقليمية معترف بها، ومن خلال هذه الشرعية الإقليمية والمشروع الإقليمي الذي تسعى لتنفيذه إدارة الرئيس ترامب تتحول إسرائيل لأن تكون الدولة الكبرى او الدولة الأساس في أي مشروع.. هذه الرؤية السياسية الأمريكية تتطلب رئاسة ثانية للرئيس الأمريكي، وهذا ما يسعى إليه لكسب تأييد اللوبي الصهيوني وقوى اليمين والتي على أساسها حقق فوزه الرئاسي الأول.

مفهوم إسرائيل الكبرى يحتاج لتوسع إقليمي تحققه سيطرتها الكاملة على الجولان، وسيطرتها النهائية على الضفة الغربية، وسيطرتها الأمنية الكاملة. ومفهوم إسرائيل الكبرى يعيد لنا من جديد فكرة أو مفهوم المجال الحيوي لإسرائيل الذي كان يمتد حتى حدود أفغانستان شرقا ونهاية الحدود العربية غربا في المغرب العربي.

اليوم تقدم إسرائيل نفسها على أنها الدولة الأقوى، والقادرة على الوصول إلى أي قوة تشكل تهديدا لها. وهذا المفهوم الذي تدعمه إدارة الرئيس ترامب  يبدو أنه يشكل نقلة إستراتيجية كبرى في الإستراتيجية للولايات المتحدة في المنطقة، ويتماشى مع توجهات السياسة الأمريكية، فبدلا من التواجد العسكري الأمريكي المباشر والذي كان يمثل أحد أهم إستراتيجيات الولايات المتحدة في الخمسينات من القرن الماضي، تنشأ قوة كبرى ممثلة في إسرائيل تستطيع أن تملأ أي فراغ يمكن أن يحدث في حال إنسحاب القوات الأمريكية من المنطقة.

وعليه مقومات إسرائيل الكبرى أولا عدم قيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية منطقة القلب الإستراتيجي لإسرائيل الكبرى، وثانيا بالإعتراف والشرعية الإقليمية بإسرائيل، وثالثا بالقوة العسكرية المتفوقة وإحتكار القوة النووية، ورابعا بمنع قيام او بروز أي دولة إقليمية مناهضة لها تقف في طريقها، وخامسا بتوسيع شبكة التحالفات الإسرائيلية الإقليمية والدولية نموذجا أفريقيا وروسيا والهند والصين، وأخيرا بالإعتراف بمفهوم المجال الحيوي الواسع لإسرائيل.

بهذه المقومات لم تعد إسرائيل الدولة صغيرة المساحة والسكان، بل الدولة الكبرى بنفوذها ومجالها الحيوي.

ويبقى السؤال أي إستراتيجية عربية للتصدى لهذا المشروع الذي يأتي على حساب المشروع العروبي؟!

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@gmail.com