2019-04-24

من القصص التي لا أستطيع نسيانها..!


بقلم: حكم عبد الهادي

كنت مرة واحدة في حياتي في بغداد. ذكرياتي فيها لا تتناسب، ولا في أي حال، مع ذكريات أبنائها.. لم تكن زيارة عادية. كنت وقتذاك في عام 1965 بعثيا ولا أندم عما فعلت، لأنني كنت مقتنعا بأفكار هذا الحزب، الذي تحول فيما بعد سواء في سوريا او العراق إلى دكتاتوريتين ساهمتا في نهاية المطاف في تحطيم أجزاء غالية من الوطن العربي. ربما.. ربما.. ربما لم يكن هذا مشكلة الحزب وإنما مشكلة الناس، كما يقول أخي صالح، مشكلة عقليتنا وانتماءاتنا إلى طوائف وعشائر وعسكر.. لست هنا بصدد كتابة مقال سياسي، فهي محاولة لكي أروي طرفا صغيرا من ذكرياتي قبل أن تأكلها وتأكلني الأيام.

لم أكن أعرف أي إنسان في بغداد باستثناء شفيق الكمالي، هذا الشاعر الكبير، الرسام، الوزير السابق في حكومة صدام حسين وأحد ضحاياه، كنت التقيته في المؤتمر الإستشاري لحزب البعث في دمشق في الستينات. لا أريد هنا أيضا الاستفاضة في الكتابة عن هذا الرجل الذي ألف النشيد الوطني العراقي، فهو يستحق وقفة طويلة وربما كتابة أكثر من 300 صفحة لم أهيئ نفسي لها.

المهم، في اليوم الأول لم التق بهذا العملاق فذهبت وحيدا إلى مطعم بغدادي شاسع الأطراف. تناولت طعام غذاء شهي، وعندما أردت أن أدفع الحساب قال لي النادل: واصل عمي. قلت|: نعم، من من، لا أعرف أحدا هنا. من الذي تكرم علي؟ فأشار إلى رجل تجاوز الخمسين، بلباس أعرابي، بكوفية وعباءه. ذهبت اليه شاكرا، وقلت عمي هل سبق أن التقينا. قال لا. قلت ومن أين جاءني هذا الكرم. أجاب بهدوء: قلتُ هذا شخص غريب.. تذكرت عندها أنني في بغداد.

بغداد وأهلها ظاهرة فريدة.

قصة أخرى: في عام 1958 غادرت بلدتي جنين.. ومن ثم بيروت على متن سفينة يونانية عتيقة إلى ألمانيا.. كانت بداية رحلة استغرقت أكثر من ستين عاما. على ظهر هذه السفينة تعرفت على مهندس عراقي حدثني أنه في طريقه إلى ألمانيا ليقوم بدورات تدريبية. ما زلت أذكر ملامح هذا الشاب الذي لا يزيد عمره عن الثلاثين: شاب بمنتهى رجولته، عريض المنكبين، الشعر يغطي قبة قميصه. وصلنا ميناء "جنوا" الإيطالي وهناك بدأت الإتصالات بين رفاق الطريق: إلى أين؟ إلى ميونيخ، إلى.. برلين.. أخيرا سألت المهندس العراقي الشاب: إلى أين؟ قال: سأعود إلى بغداد في أول سفينة. قلت: لماذا فقد وصلنا أوروبا للتو.

قال: لا أستطيع البقاء هنا. لا استطيع مقاومة الحنين إلى بغداد.. سأعود إلى بلدي..!

عندما رأيت صورة شارع المتنبي المشهور، شارع الكتب، على صفحة الشخص الذي أتمنى صداقته، زكريا محمد، الذي يذكرني بالمبدع شفيق الكمالي، فهو شاعر من فلسطين، رسام ونحات، صحفي.. كتبت لزكريا: هل ما زال شارع المتنبي بخير بعد غزو أمريكا للعراق. قال: نعم. وهل ما زال شارعا للكتب. قال: نعم.

عندها فهمت المهندس العراقي وأن لا بوش ولا إسرائيل ولا أي قوة في العالم تقدر على دحر ورثة حضارة خمسة آلاف سنة.

* الكاتب إعلامي فلسطيني يقيم في ألمانيا. - habdelhadi@gmx.net