2019-03-30

من "صفعة القرن" الى "صفقة القرن": كيف يواجه ترامب كالثور الهائج "القرن الصيني"؟


بقلم: د. نهى خلف

يشير كثير من المحللين السياسيين الغربيين ان القرن الحالي، اي الواحد والعشرين، يمكن تسميته "القرن الصيني" بعد ان كان القرن العشرين الماضي يسمى بـ"القرن الامريكي"، واعتبار القرن التاسع عشر "القرن البريطاني".

ان التحول من الهيمنة البريطانية العالمية إلى الهيمنة الامريكية، جاء بعد مرحلة انتقالية تخللتها الحرب العالمية الاولى، واليوم عملية التحول من "القرن الامريكي" إلى "القرن الصيني"، رغم انها تتم بصمت الا انها تشكل صفعة قوية في وجه طموح الهيمنة الامريكية وخاصة إلى ادارة ترامب المتهورة. ويشير احد المحللين ان عام 2014 يعتبر العام الأول الذي بدأت خلاله الولايات المتحدة تفقد موقعها كالقوة الاقتصادية الأولى بينما بدأت الصين تحتل هذه المرتبة.

وعلى هذا الاساس اعتبر ترامب في تعريفه لاستراتيجيته السياسية والعسكرية  عند استلامه الرئاسة عام 2017، ان الصين هي العدو الاول للولايات المتحدة. ويستند منطق ترامب الشوفيني والعنصري والفوقي على منطق "المنافسة" وضرورة الحفاظ على تفوق الولايات المتحدة وبقائها في "المرتبة الاولى" بناء على الايديولوجية الامريكية البروتستانتيىة المبنية على تفوق الرجل الابيض ووصفه بـ"الأفضل والأذكى".

أما الايديولوجيا الصينية فهي مبنية على عقيدة ايديولوجية مختلفة وتعمل على النمو الاقتصادي الصيني على الصعيد العالمي بشكل سلمي من اجل الاستفادة المشتركة لكل الاطراف التي ستتعامل مع استراتيجية الامتداد الاقتصادي الصيني دون هوس التفوق والوصول إلى المرتبة الأولى.

من جهة اخرى ان التعاون المتنامي بين  روسيا والصين في شتى المجالات والذي توج بعدد ممن الزيارات بين الرئيسين الروسي المكثفة بشكل خاص منذ منتصف هذا العقد، قد ازعج ترامب وأفقده توازنه، وخاصة انه لم يفهم جيدا ان انتهاء النظام الشيوعي السوفياتي في روسيا لا يعني تغير في الثوابت الجيوسياسية للاقليم الروسي. وبما ان ترامب كان قد وضح منذ بداية عهده ان الصين هي عدوه الاول، فقد فسر بعض المحللين ان محاولته بالتعامل مع روسيا خلال معركته الانتخابية والتي اغضبت الحزب الديمقراطي، كانت في الواقع محاولة فاشلة وبهلوانية لجلب روسيا الى التعاون مع الولايات المتحدة على حساب الصين، بوهم استخدام منطق "فرق تسد" وزعزعة التعاون الوطيد بين روسيا والصين حيث ان مصطلح "التنافس" يشكل الصفة الاساسية لسياسة ترامب الخارجية المتهورة.

وفي حزيران من عام 2015 قامت مجموعة "فالداي للحوار" الروسية بدراسة حول العلاقة بين "سكة الحرير" الصينية ومشروع "أوراسيا" الروسي والذي يشمل عدة مشاريع تعاونية وانمائية في منطقة أوراسيا التي ستسمح لروسيا والصين ودول آسيا الوسطى، ولاحقا مونغوليا وتركيا وايران وجنوب كوريا لحل عدة مشاكل داخلية ودولية تواجههم ولترسيخ قاعدة "لتنمية مستدامة" في هذه المناطق حيث يهدف المشروع لجعل اسيا الوسطى منطقة آمنة ومستقرة لشعوبها وجيرانها الأكبر روسيا والصين.

ان "سكة الحرير" الصينية الحديثة تشمل طريقين: خط ارضي وخط بحري مسميان رسميا "حزام واحد وطريق واحد" وقد سمي هذا الطريق على اسم  الطريق القديم الذي قد اسس بين الصين وانطاكيا قبل الفي عام.

وتمتد السكة الجديدة حتى اوروبا وتشمل شبكة من الطرق الصغيرة والدائرية ومن سكك الحديد التي تصل الى 13000 كيلومتر ممتدة حتى بلجيكا، بالاضافة الى شبكات من الطرق الاقليمية في القارة الاسيوية ممتدة من مقاطعة "يونان" الصينية عبر لاوس وكمبوديا وماليزيا وبورما وسنغافورا وتايلاند وفيتنام، وبما ان كثيرا من البنى التحتية الضرورية لهذه الطرق موجودة اصلا في هذه المناطق، تعمل الصين على الربط بينها عبر تقاطعات هامة تشكل نقاط ارتكاز اقتصادية بناء على متابعة الصين سياسة خارجية واقعية وبراغماتية تسمح لربح مشترك لكل الاطراف على اساس معادلة "ربح ربح".

اما الخط البحري فينطلق من بحر الصين الاقليمي للوصول الى المحيط الهندي و الهادئ.

وستمول الصين مشاريعها عبر شبكة من المؤسسات البعض منها تم تأسيسها لهذا الخصوص مثل "صندوق خط الحرير"، مع رأس مال  قدره اربعين مليار دولار والذي أصبح قائما منذ عام  2015، وبنك التنمية الجديد التابع لمجموعة "بريكس" والذي اسس في عام 2014 برأس مال بقيمة 100 مليار دولار مع الحصة الاكبر للصين (41 في المئة) بالاضافة الى مساهمة بنوك صينية اخرى غير حكومية مما يجعل هذا المشروع ليس فقط مشروعا حكوميا بل يشمل شبكة واسعة من الداعمين والممولين الصينيين.

وتأمل الصين عبر شبكة العلاقات الممتدة عبر "طريق الحرير" لإعطاء نموذج جديد من التنمية للدول المشاركة في "طريق الحرير" مما سيزيد انتاجها وبالتالي يسمح للصين ولهذه الدول بالشراكة التجارية والاستغناءعن الاسواق الغربية، وهكذا تشمل "سكة الحرير" عدة نقاط تقاطع هامة لمجموعات اقليمية في عدة مناطق: 
المجموعة الاولى مشكلة من دول جنوب شرق اسيا، في محاولة لانتزاعهم من الهيمنة الامريكية في بحر الصين المتوسط.

المجموعة الثانية مكونة من الدول التي تقع في طريق السكة التي تربط بين الصين وأوروبا والتي تمر عبر باكستان وايران وصولا الى اليونان التي تهم الصين بشكل خاص، حيث تمكنت من شراء مينائها "بيري" وباستثمار 260 مليون دولار فيه، بهدف مد سكة حديدية انطلاقا من الميناء عبر دول البلقان. وتعتبر باكستان وايران واليونان دول محورية في "سكة الحرير".

ومنذ ايام حققت شركة "ايرباص" الفرنسية صفقة مع شركة الطيران الصينية، لحصول الاخيرة على 300 طائرة  "ايرباص" وذلك خلال الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس الصيني "كسي حيبينغ" الى فرنسا. وقد فسر احد المحللين المختصين في الشؤون الصينية ان هذه الخطوة هي سياسية بامتياز حيث "انه لا يمكن فصل السياسة من اية خطوة تقوم بها الصين في مجال الطيران"، وقد جاءت هذه الصفقة بعد التدهور الذي اصاب شركة "بوينغ" الاميريكية بسبب الحادثين الأخيرين. كما شملت الصفقة بين الصين وفرنسا تمديد خطوط شبكة الهواتف "هواوي" الصينية عبر بعض المناطق الفرنسية بما في ذلك إمارة موناكو الذي زارها الرئيس الصيني منذ بضعة ايام. وقد جاءت هذه الصفقة بين فرنسا والصين بعد توطيد التعاون الثنائي بين ايطاليا والصين خلال جولة الرئيس الصيني إلى ايطاليا في 23 من شهر آذار الحالي، حيث وافق البلدان على صفقة تقدر بـ 3 مليار دولار في المرحلة الاولى، بينما قد تصل بعد عدة سنوات الى 23 ملياردولار، وتشمل تحسينات في مينائي الايطاليين "جنوا" و"ترياست" مما سيضم ايطاليا في مشروع "سكة الحرير" الصيني الضخم، هذا بالاضافة الى البحث عن امكانية ادخال شبكة "هواوي" الهاتفية الى ايطاليا. مما أغضب الثور الامريكي الذي اعتبر ان هذه الشبكة قد تساهم في التجسس لصالح بكين.

المجموعة الثالثة تشمل عدة دول افريقية وقد ابرمت الصين في عام 2015 اتفاقا مبدئيا مع الاتحاد الافريقي يقتضي بناء شبكة اتصالات بين الاربعة وخمسون دولة في القارة السوداء ومعظمها غنية بالموارد الاولية. وقد بدا العمل بهذا الاتجاه وذلك عبرابرام عقد لبناء سكك حديدية  مع نيجيريا وقيمته 13 مليار دولار وآخران بقيمة حوالي 4 مليار مع كينيا و4 مليار مع اثيوبيا، كما تهدف الصين الي بناء ميناء حديث في تانزانيا وموزامبيق والغابون وغانا والسنغال، هذا بينما تقوم الشركة الصينية للبترول بمشاريع في التشاد والموزمبيق.

وفي مواجهة هذا المد الصيني في القارة الافريقية اعلن مستشارترامب للامن القومي اليميني المتهور بولتون، وهو من المحافظين الجدد الذي كان قد طالب بانهاء الأمم المتحدة خلال عمله في ادارة بوش، اعلن ان لدى ترامب استراتيجية تمويلية هامة في افريقيا لمواجهة الامتداد الصيني فيها.

اما المجموعة الرابعة التي تتقاطع مع سكة الحرير هي في امريكا اللاتينية والتي تعتبرها الولايات المتحدة تقليديا منطقة خاصة بها وملكا لها وسيشكل الصراع الحالي حول فنزويلا محكا هامة للهيمنة الامريكية التامة على القارة.

أما المجموعة الخامسة فهي مكونة من روسيا والجمهوريات السابقة التي كانت تشكل الاتحاد السوفياتي السابق حيث يشكل "المحيط المتجمد الشمالي" نقطة محورية للمصالح الصينية. ان هذه المنطقة التي تربط بين الصين وروسيا هي منطقة اساسية ومحورية في الاستراتيجية الصينية التي اصبحت عبر النصف عقد الاخير مرتبطة استراتيجيا اكثر فأكثر مع الاستراتيجية الروسية.

ان التحالف الصيني الروسي المتزايد بصمت مقصود مبنيا على تقسيم عمل بين القوتين السياسيتين الكبرى، على اساس ان تكون روسيا الواجهة السياسية والعسكرية للدفاع والتعبير عن مصالح الحليفين المشتركة عبر العالم، بينما تركز  الصين على الهيمنة الاقتصادية السلمية في عدة مناطق عبر طريق الحرير المبني على تثبيت قواعد بحرية واقتصادية عبر العالم، قد اصاب راعي البقر والثور الامريكي بهيجان وتوتر شديد بسبب التراجع المستمروالمتسارع لهيمنتها السابقة، ويبدو واضحا ان ترامب لم يجد حلفاء للاستناد عليهم غير الحليف الصهيوني البائد الخارج عن القانون الدولي الذي يقوم بمغامرات عسكرية هوجاء متحديا الشرعية الدولية والقوانين الدولية، بينما يقوم بعض الحلفاء العرب المتواطئين مع الولايات المتحدة بتمويل هذه المغامرات التي تعرف بـ"صفقة القرن".

ان الصفعة التي نالها ترامب منذ وصوله الى الرئاسة من قبل المواقف الصارمة الروسية في اوكرانيا وسوريا وفنزويلا والدبلوماسية الصينية الناعمة قد اصابت الولايات المتحدة وحليفها العضوي الصهيوني بهوس وقادت الى سياسات متهورة والتهديد بتحقيق "صفقة القرن" في منطقة الشرق الاوسط أكان عبر قراره بنقل السفارة الامريكية الى القدس واعتباره المدينة المقدسة عاصمة لاسرائيل واعتبار الجولان المحتل ارضا اسرائيلية..!

كما ان ترامب من اجل للانتقام من الزحف الإقتصادي الصيني الناجح قد وعد مؤخرا تايوان ببيعها اسلحة من اجل استفزاز الصين وذلك بعد ان كان الرئيس الامريكي السابق اوباما رفض التعاون مع تايوان في اطار سياسة تشجيع التعاون مع الصين.

ان علينا الوعي جيدا بهشاشة الوضع الامريكي مما يجعله يعتمد من اكثر أي وقت سابق على اعمال قذرة من قبل حليفه الصهيوني، كما يجب الاعتراف ان عمليات التطبيع العربي والفلسطيني مع الدولة الصهيونية قد ادت الى زيادة العجرفة والوقاحة الاسرائيلة في العقود الأخيرة، فبينما كان العدد الاكبر من دول "العالم الثالث" تقاطع الدولة الصهيونية لعدة عقود، جاءت اتفاقيات السلام بدءا بـ"كامب ديفيد" مرورا بـ"اوسلو" وغيرها، الى فتح الباب واسعا لقيام الدولة الصهيونية بعلاقات سياسية وتجارية مع دول كبرى مثل الصين والهند (منذ عام 1991)، حتى بقيت فقط ماليزيا واندونيسيا من بين الدول الآسيوية التي ترفض قيام علاقات مع الدولة العبرية، هذا طبعا بالاضافة الى الحليف الايراني والذي يلعب دورا محوريا وهاما كطرف ثالث اساسي في التحالف الصيني الروسي.

ان اتفاقيات السلام كبلت افواه الدبلوماسيين العرب، حيث لم يبقى ممكنا للدبلوماسيين ان يطالبوا أي دولة بمقاطعة اسرائيل لأن الرد المقابل كان دائما: "انتم متعاونون مع اسرائيل، فكيف يمكنكم مطالبتنا نحن بمقاطعتها؟".. وهكذا اصبح انتعاش التجارة الاسرائيلية على الصعيد الدولي، نتيجة للتطبيع العربي معها.

ان الكيان الصهيوني يعي جيدا مأساة الضعف الامريكي، مما يؤدي به بالضغط على هذا الحليف الأكبر والأبله، الذي فرغ من قوته السابقة، والمطالبة بمزيد من التنازلات في منطقتنا وعلى حساب شعوب المنطقة ومن أجل تقوية وهيمنة الكيان المتغطرس.. هذا في نفس الوقت نفسه الذي تقيم فيه الدولة الصهيونية علاقات  اقتصادية وتجارية مع الصين وروسيا في محاولة للانضمام لـ"سكة الحرير"، بينما تتراجع القدرة العربية على التأثير. فهل يمكن اعادة تطوير استراتيجية فاعلة مبنية على الضعف الامريكي و"صفعة القرن" الذي طالها، عبر مقاطعة كل الخطوات التي تساهم في تقوية هذا الكيان وتنفيذ مخططاته الجهنمية؟ وهل يمكن القيام بالمقابل بتنمية علاقاتنا مع المحور الروسي الصيني ومع الحليف الايراني المشترك؟ أم هل فات الأوان؟ وهل سيستمر العقل العربي الرسمي المنساق الى أمريكا بالتطبيع داعيا المنطقة الى الانهيار تحت اقدام الحركة الصهيونية بينما تنزف الارض الفلسطينية دما؟

* كاتبة وباحثة فلسطينية في الشؤون الاستراتيجية والدولية- بيروت. - khalaf.noha@gmail.com